السلايدر الرئيسيتحقيقات

أنباءٌ عن قبول واشنطن وتلّ أبيب بالصيغة اللبنانيّة الجديدة لترسيم الحدود مع إسرائيل… فماذا بعد؟

جمال دملج

يورابيا ـ بيروت ـ من جمال دملج ـ على رغم أنّ الولايات المتّحدة الأميركيّة حاولت مرارًا خلال السنوات الماضية تمرير اقتراحها الداعي إلى وجوب اعتماد آليّات التفاوض المباشِر بين الجانبين اللبنانيّ والإسرائيليّ لدى مناقشة الإجراءات الكفيلة بتسوية النزاع القائم حول المناطق الحدوديّة البرّيّة والبحريّة الواقعة عند تخوم البلدين، تمهيدًا لتوقيع أيِّ اتّفاقٍ يمكن أن يتمّ التوصُّل إليه بهذا الخصوص تحت رعاية منظّمة الأمم المتّحدة، فإنّ ما رشح من معلوماتٍ على ضوء الجهود المبذولة لإعادة تحريك ملفّ ترسيم الحدود اللبنانيّة – الإسرائيليّة، منذ الزيارة الأخيرة التي قام بها وزير الخارجيّة الأميركيّ مايك بومبيو لبيروت في شهر آذار (مارس) الماضي ولغاية الزيارة الحاليّة التي يقوم بها نائب مساعده لشؤون الشرق الأوسط ديفيد ساترفيلد، حمل في طيّاته من المواقف والمؤشِّرات ما يكفي للتأكيد على وجود إجماعٍ كاملٍ في الأوساط الرسميّة المحلّيّة، ممثَّلةً بالرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه برّي وسعد الحريري، على وجوب اعتماد آليّات التفاوض غير المباشِر عبْر لجنة الهدنة التي تُشرف عليها الأمم المتّحدة، من دون استبعاد فرضيّة دخول الولايات المتّحدة على خطّ تقديم الرعاية الكاملة لأعمال تلك اللجنة، ولا سيّما بعدما بات في حُكم المؤكَّد أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب وضعَت بالفعل مسألة تحريك ملفّ ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل على رأس قائمة اهتماماتها في منطقة الشرق الأوسط.

على هذا الأساس، جاءت زيارة السفير ديفيد ساترفيلد الحاليّة للبنان في سياقٍ خطوةٍ عمليّةٍ تستهدف التأكيد على هذا الاهتمام، وكذلك على مدى التجاوب مع الأفكار التي تسلَّمتها الولايات المتّحدة الأسبوع الماضي عبْر سفيرتها في بيروت إليزابيت ريتشارد من رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون في إطار صيغةٍ جديدةٍ لتسوية النزاع الحدوديّ، وهي الصيغة التي ناقشها الرئيس اللبنانيّ مجدَّدًا لدى استقباله السفير ساترفيلد في قصر بعبدا قبل ظهر اليوم الأربعاء، والتي تقوم على عدّةِ ثوابتَ وطنيّةٍ تتلخَّص في أنّ لبنان المتمسِّك بسيادته برًّا وبحرًا وجوًّا يرى أنّ ترسيم الحدود البرّيّة والبحريّة الجنوبيّة يعزِّز الاستقرار على طول الحدود، انطلاقًا من قرار مجلس الأمن الدوليّ رقم 1701، ويدعو الولايات المتّحدة إلى المساهمة في تحقيق هذا الهدف، ولا سيّما لجهة احترام حدود لبنان البرّيّة والبحريّة، وحقِّه في التنقيب عن النفط والغاز في المنطقة الاقتصاديّة الخالصة.

وإذا كان ما رشح من معلوماتٍ حول اللقاءات التي أجراها السفير ساترفيلد في بيروت قد صبَّ بأكمله في سياق التأكيد على أنّ عمليّة التشاور بين الجانبين اللبنانيّ والأميركيّ ستستمرّ في المستقبل من أجل توضيح بعض النقاط المتعلِّقة بالآليّة الواجب اعتمادها للتوصُّل إلى ترسيم الجنوبيّة مع إسرائيل، فإنّ الأوساط الإعلاميّة في بيروت سرعان ما تناقلَت بعض التسريبات الهامّة ذات الصلة بهذا الملفّ الحسّاس، وأبرزها ما أوردَته قناة (إل بي سي آي) في نشرتها المسائيّة عند الساعة الثامنة بالتوقيت المحلّيّ، استنادًا إلى مصادرها الخاصّة، عن أنّ واشنطن وتلّ أبيب وافقتا على الصيغة اللبنانيّة الجديدة، وأنّ السفير ساترفيلد سيُجري مباحثاتٍ حول هذا الموضوع مع المسؤولين الإسرائيليّين قبل أن يعود مجدَّدًا إلى بيروت لوضع المسؤولين اللبنانيّين في أجواء تلك المباحثات في مطلع الأسبوع المقبل.

علاوةً على ذلك، فقد تحدَّثت تسريباتُ أخرى عن أنّ لبنان اشترَط في الصيغة الآنفة الذكر تحريك ملفّ ترسيم الحدود في كلٍّ من البرّ والبحر بشكلٍ متكاملٍ مع بعضه البعض، وليس بشكلٍ منفصلٍ عن الآخر، وذلك “لكي لا يُستفرَد بلبنان في مكانٍ ما، ولكي لا تكسَب إسرائيل أمتارًا إضافيّةً، ولكي لا تصل إلى ترسيم البحر الذي تريده وتسعى إليه أوّلًا، ومن ثمّ تتنصَّل من أيِّ اتّفاقٍ بشأن البرّ، فجلّ ما يهمّ إسرائيل ومعها أميركا اليوم هو ترسيم الحدود البحريّة لضمان النفط والغاز”، بحسب ما نقلَه موقع “النشرة” الإلكترونيّ اليوم الأربعاء عن مصادره الخاصّة أيضًا.

وتؤكِّد المصادر “أنّ لبنان لا يعلم بعد الجواب الذي يحمله ساترفليد بشأن الخطوة اللبنانيّة الجديدة في هذا الملفّ، إلّا أنّه يدرك حجم الاهتمام الأميركيّ به وبضرورة إنهائه بسرعةٍ”، مشيرةً إلى أنّ “ترسيم الحدود البرّيّة سيفتح ملفّ مزارع شبعا، إذ عندما تُرسَّم الحدود سيطالب الإسرائيليّون بضمّ المزارع إلى القرار 242 على أنّها تابعة للجولان، الأمر الذي سيضع لبنان أمام امتحان إثبات لبنانيّتها وضمِّها إلى القرار 425″… وحسبي أنّ هذا الامتحان لن يكون سهلًا على الإطلاق في شتّى الأحوال والظروف، ولا سيّما في ظلّ استمرار التبايُن في وجهات نظر الأفرقاء اللبنانيّين غير الرسميّين حول هويّة تلك المزارع وما إذا كانت لبنانيّةً أم سوريّةً، وكذلك في ظلّ عدم تقديم السلطات السوريّة لغاية يومنا الراهن أيَّ وثائقَ أو مستنداتٍ تُثبت لبنانيّتها، الأمر الذي من شأنه، ولو بدرجاتٍ متفاوتةٍ، أن يعيد الجهود الأميركيّة المبذولة من أجل ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل إلى مربَّع الصفر، اللهمّ إلّا إذا تمكَّن السفير ساترفيلد من تحقيق تقدُّمٍ بارزٍ على هذا الصعيد أثناء وجوده المرتقَب في تلّ أبيب… والخير دائمًا في المساعي الحميدة التي تبقى حميدةً من وراء القصد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق