أقلام يورابيا

إعلان ترامب وعد بلفور جديد لهضبة الجولان المحتلة

د. مهيب صالحة

د. مهيب صالحة

لقد عانت أوروبا المسيحية من المسألة اليهودية فصدرتها إلى فلسطين بوعد قطعه وزير خارجية بريطانيا آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 / 11 / 1917 لأحد أبرز وجوه المجتمع اليهودي البريطاني ليونيل والتر دي روتشيلد، بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين العربية. لم تكن فلسطين في ذلك الوقت دولة مستقلة إنما كانت تحت الانتداب البريطاني، وتتكون من غالبية عربية مسلمة ومسيحية وأقلية يهودية. وبعد ربع قرن ونيف تحقق الوعد بقيام دولة إسرائيل على جزء من أرض فلسطين بغفلة من العرب، الذين تقاسمتهم بريطانيا وفرنسا بموجب خرائط رسمها الدبلوماسيان الفرنسي فرانسوا جورج بيكو والبريطاني مارك سايكس بقلم الرصاص في أيار 1916.
وبتاريخ 29/ 11 /1948 صدر عن الجمعية العامة التابعة لهيئة الأمم المتحدة قرار التقسيم الذي يعطي الفلسطينيين 43 % والإسرائيليين 57 % مع بقاء القدس وبيت لحم تحت الوصاية الدولية، ولكن مرة أخرى بغفلة وجهالة من العرب الذين رفضوا القرار بدأت تتوسع إسرائيل على حساب الفلسطينيين حتى غدت تسيطر عشية الخامس من حزيران 1967 على معظم فلسطين باستثناء الضفة الغربية التي كانت تخضع لسيادة المملكة الأردنية الهاشمية وقطاع غزة الذي كان يخضع لسيادة جمهورية مصر العربية. وفي عام 1965 من مدينة أريحا أطلق الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة نداءه للعرب بأن إسرائيل وجدت لتبقى وأن مصلحة العرب بإقامة سلام دائم مع إسرائيل، آنذاك سيرت الدول العربية مسيرات شعبية تصدح بتخوين بورقيبة، وتتوعده بالويل والثبور وعظائم الأمور، بينما صوت أحمد سعيد يصرخ برمي اليهود في البحر من إذاعة صوت العرب من القاهرة. وفي صبيحة الخامس من حزيران 1967 اجتاحت إسرائيل كل من قطاع غزة والضفة الغربية وسيناء وهضبة الجولان السوريا.
في السادس من تشرين الأول 1973 نشبت حرب هندس خطوطها الحمراء والخضراء وزير خارجية الولايات المتحدة آنذاك اليهودي هنري كيسنجر، الذي أراد من هذه الحرب تحريك العملية السياسية بين إسرائيل المنتصرة والدول العربية المهزومة. انتهت الحرب بهدنة على الجبهتين الجنوبية والشمالية تلاها اتفاق فصل قوات بين سوريا وإسرائيل 1974، واتفاق كامب ديڤيد للسلام بين مصر وإسرائيل استرجعت بموجبه مصر سيناء ضمن قيود وشروط سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية إسرائيلية. وفي ذلك الوقت رفضت سوريا والدول العربية الأخرى مسار السلام في كامب ديڤيد، وشكلت وقتها ما سمي بجبهة الصمود والتصدي بالإضافة إلى المقاطعة العربية لمصر وحملة تخوين صاخبة لأنور السادات. وفي الأثناء نشبت الحرب الأهلية في لبنان وغرقت سوريا في وحولها، ثم اجتاحت إسرائيل جنوب لبنان وقامت مقاومة وطنية لبنانية أزاحتها مقاومة إسلامية شيعية (حزب الله) أنشأتها ودعمتها ايران الخمينية بالتعاون مع سوريا، انتهت نظرياً منذ عام ألفين بانسحاب إسرائيل من طرف واحد، وفعلياً بالقرار الأممي 1701 لعام 2006 الذي انتشرت بموجبه قوات القبعات الزرق على طول الحدود اللبنانية الإسرائيلية.
ومع اجتياح العراق للكويت 1990 ومشاركة الجيش السوري في عملية تحرير الكويت أخذ الرئيس السوري حافظ الأسد وعداً من أمريكا بتحريك عملية السلام بين العرب وإسرائيل، فكانت محادثات السلام التي انطلقت من مؤتمر مدريد واستمرت حتى منتصف عام ألفين، وقدمت إسرائيل فيها عرضاً مغرياً لسوريا بإعادة هضبة الجولان إليها مقابل سيادة إسرائيل على عمق مترين إلى عشرة أمتار في الضفة الشرقية لبحيرة طبريا. رفض حافظ الأسد هذا العرض كما رفض عرض قدمه ايهود باراك لفاروق الشرع في مباحثات شفردستاون في كانون الثاني 2000 الانسحاب إلى حدود 1923 مقابل ترتيبات أمنية خاصة وتطبيع العلاقات بين البلدين فانتهت المباحثات من حيث بدأت، بينما وقع الأردن اتفاقية وادي عربة ووقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاقية أوسلو.
والسؤال الأبرز هو: لماذا رفض حافظ الأسد العرض الإسرائيلي وهو يدرك أن هذا العرض هو أقصى ما يمكن أن تتنازل عنه أية حكومة إسرائيلية.
في الواقع لا توجد إجابة حقيقية لأن كلا الطرفين اتهم الطرف الآخر بتفشيل المفاوضات، ولكن الإجابة المنطقية التحليلية تشي بأن النظام البعثي السوري منذ نشأته في آذار 1963 جعل من القضية الفلسطينية شماعة يعلق عليها اخفاقاته الداخلية، كما بنى عليها أيديولوجيته القومية التي قسمت الدول العربية بين دول رجعية ودول تقدمية من منظوره إلى القضية الفلسطينية، وليس كما يشاع من منظور منظومات العلاقات الاجتماعية، لأن الأنظمة العربية كلها تتشابه في منظومات تقليدية مهشمة ومشوهة. ومن جهة ثانية لقد بدا واضحاً في آخر لقاء له مع الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في جنيف آذار عام ألفين لإعادة الروح إلى مباحثات السلام أن صحة الرئيس السوري في أزمة عنيفة، وبالتالي ما كان يقلقه هو شيء واحد، التوريث، وألا تكون تركتة لإبنه بشار الأسد بعناوين جديدة لا يعلم بسلوكها ومآلاتها غير الله، والسلام مع إسرائيل هو المانشيت العريض لكل العناوين، الذي يخشاه الأسد في تعطيل مسألة التوريث. ومن جهة ثالثة فإن النظام السوري ـ كما الأنظمة العربية كلها ـ يبني دائماً سياساته وتحالفاته على أساس مصالح البقاء وليس مصالح التغيير والتطوير والتحرير. والأولى ينجح في مزايداته فيها العلنية والسرية لاقتناص فرصها، بينما الثانية تشكل تهديدات محتملة بالنسبة لبقائه، لذلك نجح إلى حد كبير في القضاء على قوى وإمكانات التغيير والتطوير والتحرير حماية لقوى وإمكانات البقاء. ولم تكن صيغة التطوير والتحديث التي أطلقها الرئيس السوري الجديد مع بداية عهده، وربيع دمشق الذي غض الطرف عنه مؤقتاً سوى عناوين بدون محتوى كان الغرض منها تبريد الغليان المحتمل وتهدئة الخواطر من أجل البقاء. إن الاستراتيجية الوحيدة التي خطط لها النظام هي استراتيجية البقاء وما عداها مجرد تكتيكات تخدم هذه الاستراتيجية. ولم تكن تحالفاته سواء مع الاتحاد السوڤياتي ومن ثم وريثته روسيا أو إيران من قبيل طلب العون والمساعدة للتطوير والتحديث والتحرير، لأن كلاهما لا يملك مقومات التطوير والتحديث، ولا القدرة على قلب ميزان القوى بين سوريا وإسرائيل لمصلحة سوريا، لذلك فإن تحرير الجولان بالقوة هو ضرب من الخيال طالما الظروف الدولية تهيمن عليها الولايات المتحدة الأمريكية، وطالما الهوة الحضارية تتسع بين سوريا وإسرائيل وبين إسرائيل والعرب جميعاً. فإذا كان العرب يصعدون على سلم خشبي فإن إسرائيل تصعد بسلم إلكتروكهربائي. وكل هذا التحرك الشعبوي وخطابه الخشبي ضد قرارترامب هو عبارة عن تهويل وعويل بفعل جهالة وقوة عادة، لا تؤديان في نهاية المطاف إلا إلى انتحار القضية باطلاق النار على رأسها. بينما عملت إسرائيل منذ سنوات على تقوية شوكة الجماعات الإسلامية المتطرفة المعارضة للنظام على حدودها في محافظة القنيطرة لكي تخلق ظروفاً جديدة في المنطقة الحدودية مع الجولان المحتل تسمح لها بفرض شروطها على الدولتين العظميين روسيا والولايات المتحدة الأمريكية في إطار منطقة خفض التصعيد الجنوبية، اخراج ايران وتقييد تحركات الجيش السوري في الجنوب والاعتراف بسيادتها على هضبة الجولان المحتلة.
لقد فضحت النيران التي التهمت جسد بوعزيزي التونسي هشاشة الأنظمة العربية وسذاجة سياسات وتحالفات مصالح البقاء التي انتهجتها. وكان المشهد السوري الأكثر تراجيدية من بين مشاهد الربيع العربي، الذي أمن كل متطلبات قيام ترامب باطلاق وعد شبيه بوعد بلفور لدولة إسرائيل يضم الجولان إلى سيادتها بدواعي المحافظة على أمنها.
لم تتوقف العروض الإسرائيلية بالانسحاب من هضبة الجولان بعد وفاة حافظ الأسد، ففي نيسان 2008 أبلغ الوسيط التركي الرئيس السوري بشار الأسد استعداد ايهود اولمرت الانسحاب من هضبة الجولان مقابل السلام، وجرى العمل على رسم حدود جديدة في خرائط عالية الدقة. لكن جولة المفاوضات تلك باءت بالفشل مع شن إسرائيل حربها على قطاع غزة عام 2008.
إذن منذ عام 1992 قدمت كل حكومات إسرائيل ـ باستثناء حكومة شارون ـ عروضاً للانسحاب من هضبة الجولان منقوصة إما من أرض أو مياه أو سيادة بما فيهم حكومة نتنياهو الذي يصر على أنه لم يخطر الانسحاب من هضبة الجولان على باله قط. لكن في حكومته الأولى ـ حسب صحيفة هآرتس 22 / 3 / 2019 ـ طالب حافظ الأسد رئيس الوفد الإسرائيلي في المفاوضات، رجل الأعمال الأمريكي رونالد لودر، أن يأتي إلى دمشق مسلحا بخريطة سحب القوات الإسرائيلية من الجولان أو لا يأتي بتاتا. ومن جانبها، طالبت إسرائيل في تلك الجولة من المفاوضات بمنحها السيطرة على جبل الشيخ مع تخلي سوريا عن تحالفها مع ايران وحزب الله.
كما أكدت الصحيفة أن سياسة إسرائيل تجاه هضبةالجولان المحتلة تغيرت جذرياً منذ اندلاع الأزمة السوريا عام 2011 من التفاوض سرا مع دمشق إلى البحث عن الاعتراف الدولي بسيادتها عليها.
وربما جاء توقيت إعلان الرئيس الأمريكي رونالد ترامب الاعتراف بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان المحتلة في سياق التحضير لصفقة القرن، بعد الاهتراء العميق في بنية الدولة السوريا وتفكك نسيجها المجتمعي، وبعد توافق دولي وإقليمي وعربي على الافصاح عن هذه الصفقة لإعادة ترتيب المنطقة بالكامل، ومن ضمنها إعادة ترتيب الوضع السوري. كما أن تداعيات إعلان الضم الأمريكي على أرض الجولان تحتاج إلى وقت ليس بالقصير ومن ضمنها تغيير البنية الديمغرافية باستدعاء آلاف اليهود من روسيا وأوروبا الغربية للاستيطان على أرض الجولان من أجل فرض وقائع سكانية وسياسية جديدة لمصلحة إسرائيل في أية مفاوضات قادمة مع سوريا حول المصير النهائي للجولان، والتي ربما تتمحور حول تقاسم الأرض والمياه والسيادة بين الدولتين، وبالتالي من المتوقع ألا تأخذ سوريا نصف ما كان يمكن أن تأخذه في مفاوضات سابقة مع إسرائيل.
إن ذهنية “كل شيء أو لا شيء “، بتقديري لم تعد صالحة، وستقبل سوريا عروض صفقة القرن بغض النظر عن شكل وجوهر الدولة أو نظام الحكم الذي سيتمخض عنه تفاهم الدول الفاعلة والمتدخلة في المسألة السوريا ـ ما لم يذهب السوريون جميعهم مذهباً وطنياً آخراً يعتمد الحوار وأولوية المصالح الوطنية وخيار التغيير والتطوير والتحرير.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق