أقلام يورابيا

إنسانيات جمال عبد الناصر

د. عادل عبد الناصر

أحسستُ بدافع غامر للكتابة عن زعيم لا تزال الامة العربية تعيش أيامه في الذاكرة ومن هنا لم يكون غريبا ان اجد شاب يسير معنا في الجنازة في عام1970 وهو يرفع لافتة تقول عبد الناصر انشودة الاجيال القادمة، وهو ما تحقق بالفعل!

فبعد طول هذة السنوات لا يزال اسم عبد الناصر انشودة للاجيال القادمة وانشودة ايضا للفقراء، ومن اهمية هذا الرجل انه بخلاف كل الحكام العرب ممن كانوا قبله أو بعده، كان القوىي المغامر الجسور، والفقير الصامد الصابر، وعاش حياته كبقية المصريين، فلم ينفصل عن جماهير الفقراء، ومن هنا نري إلى اليوم صورته في مساكن البسطاء في مصر وكل البلدان العربية، وهو الداعي إلى تحرير فلسطين، وهو من حرض شعوب افريقيا على التمرد على الدخيل الاوروبي، وهو من نادى بحق الفلاح والعامل في الحياة والرقي، وهو صاحب فكرة التصنيع الثقيل في مصر، وتعمير الصحراء، ومجانية التعليم، بل وجعل رقي ومجانية التعليم على أعلى سلم أولويات الثورة، وهو من دخل في معارك حربية من اجل التقدم في اليمن والجزائر، وهو صاحب فكرة الوحدة العربية التي ضُربت من خلال مؤامرة ولم تفشل كما قيل وهي الجمهورية العربية المتحدة، وهو الضابط الذي حارب ببسالة في فلسطين، ومن هنا كانت فكرته في ضرورة وحدة العرب لتحرير فلسطين، وهو من جمع الضباط الاحرار في تنظيم سري وقام بثورة ضد الفساد والرشوة والمحسوبية والاستعمار البريطاني الرابض على ارض مصر، وهو صاحب الضربة القوية التي حولته من زعيم اقليمي إلى زعيم التحرر في كل دول العالم الا وهي تأميم قناة السويس والتي شبهها البعض بلي ذيل الاسد البريطاني، حتى ان فيديل كاسترو الزعيم الثوري الكوبي قال يوما كنا نحارب في جبال سيرا مايسترا ضد الدكتاتور باتيستا، وكان عبد الناصر هو النموذج لنا في ثوريته وطهارته.

لقد رحل عبد الناصر وكانت بداية

كان عبد الناصر رائدا في التنبيه إلى الأطماع الأجنبية، حينما قال جملته الشهيرة إن بترول العرب للعرب، وكانت بداية الهجوم المقذع سنة 1972 على شخصه، ولا عجب فالهجوم على الرمز تمهيد للهجوم على الأفكار، وهي الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية، ووصل التدهور إلى حد ان بعض الانظمة الثورية اخذت تتراجع عن الطريق، ومثالا كان حسني مبارك يفكر جديا في توريث ابنه منصب رئيس الجمهورية المصرية، وذهب البعض إلى تحالفات مشبوهة من اجل ضمان الاستمرار في الجلوس على كرسي الحكم والتمتع بمباهج الحكم ومظاهره.

وكان اول مراحل الهجوم من خلال الاطاحة برجال ناصر فيما عرف بثورة التصحيح (15 مايو 1971)، ثم كان الهجوم الاعلامي في بعض الصحف اللبنانية، خاصة جريدة الحوادث و صاحبها الصحفي سليم اللوزي، وكان التشكيك ضخما ولكن شهود الحدث اكدوا ان عبد الناصر هو المفكر والمدبر والمنظم والمخطط لثورة يوليو واول رئيس جمهورية منتخب، وهنا تحضر في الذاكرة ما قاله لي صديق يساري رحمه الله ذات يوم بأن مصر الناصرية أول دول غير شيوعية تتعامل مع الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية دون أن تكون جزء منها، وقد استغرب الكثيرون حينها بأن نظام عبد الناصر يضع الشيوعيين في السجون رغم الدعم الروسي لمصر، وخاصة في عصر الرئيس الروسي خروتشوف.

 

في انسانيات عبد الناصر

الزعيم جمال عبد الناصر كان رجل يمتاز بشخصة جادة، ولكن هذا لا ينفي أنه كان إنسانا كبير القلب، والوقائع تؤكد هذا، ومنها الحادثة التالية:

في حرب فلسطين كانت الحملة تتجهز للهجوم على مستعمرة يهودية، فتقدم ضابط صغير إلى جمال عبد الناصر طالبا إعفاءه من المهمة خوفا من الموت، حيث أنه مسؤول عن تربية خمس إخوة بعد وفاة والديه، ووافق جمال عبد الناصر، وخرج بدلا منه بصفته ضابط الوحدة، وعند العودة كانت المفاجأة فقد تعرض الموقع لهجوم صهيوني، واستشهد ذلك الضابط، والموت يأتي البشر ولو كانوا في بروج مشيدة.

 

في رحلات عبد الناصر في الاقاليم في اول ايام الثورة، كان القطار يهديء السرعة عند المحطات، وفجأة ألقيت لفة ملفوفة في قماش إلى حيث كان يقف، فصرخ بعض المرافقين من مجموعة الحراسة انها قد تكون قنبلة من صنع الاخوان، ولكنه ظل رابط الجأش، وطلب فتح اللفافة، فإذا بها بصلة ورغيف خبز، وانفجر الجميع في الضحك إلا هو، فقد فهم على الفور أنها رسالة من فلاح فقير بأنه يعيش حد الكفاف، وما كان من عبد الناصر إلا أن أصدر تعليمات فورية لوزير الزراعة باتخاذ إجراءات عاجلة لرفع المستوى المعيشي للفلاحين.

 

في حادثة أخرى أثناء جولات عبد الناصر في الريف، كان يحيي الجماهير عبر نافذة القطار، وعند إحدى المحطات لاحظ المرافقون أن شخصا يرتدي الملابس الريفية يجري جوار القطار ويصرخ: يا جمال افندي.. يا حضرة البكباشي جمال.

وهنا طلب عبد الناصر وقف القطار واحضار الرجل، وعندما رآه أخذه جمال بالأحضان وقدّمه إلى من كانوا بصحبته بأنه الصول امبابي وكان معي في حرب فلسطين 1948، ثم وجه له عبد الناصر السؤال: أين تعمل الآن؟ فأجاب: أنا خالي شغل، وهنا أصدر عبد الناصر الامر لمرافقيه بأن يعمل أمبابي من في رئاسة الجمهورية، واستمر أمبابي ساعيا في الرئاسة، وفي سنواته الأخيرة كان حارسا على قبر الزعيم عبد الناصر قبل أن يتوفى رحمه الله منذ نحو سنوات عشر.

عبد الناصر وأم جودة

في مدينة شبلنجة التابعة لمحافظة القليوبية بمصر كان يعمل الحاج عبد الناصر حسين، وبسبب كثرة الاولاد اضطر إلى الاستعانة بمربية تعين زوجته في أعمال البيت اسمها أم جودة، وكانت قد اضطرت إلى العمل بعد ان افتقر زوجها وكان جزارا معروفا إلا أنه أدمن الكوكايين، والذي نُقلإلى مصر مع جنود الاحتلال البريطاني في الحرب لعالمية الأولى، وكان يستخدم لتنشيط البغال التي تجر المدافع!

توفي الرجل وعملت أرملته أم جودة في بيت الحاج عبد الناصر حسين، وعندما نُقل إلى القاهرة ذهبت معهم، وكانت تولي سي جمال اهتماما كبيرا، وعندما توظف ابنها جودة عسكريا في الجيش طلب منها التقاعد بعد أن أصبح لديهم مصدر رزق.

مرت الايام وفوجئت أم جودة بأن سي جمال قد أصبح رئيسا لمصر، فكتبت له خطابا تطلب العون والمساعدة، وكان هو قد اصدر اوامر بأن أي رسالة من معارفه في الماضي تُعرض عليه شخصيا.

فوجئت أم جودة بعد أيام قليلة من إرسالها الخطاب بمأمور شرطة شبلنجة في بيتها يخبرها بورود أمر لمنحها مبلغا شهريا عبر مكتب بريد شبلنجة، وكان التحويل مباشرا من الرئيس جمال عبد الناصر، واستمرت أم جودة تستلم التحويل من جيب عبد الناصر عبر مكتب البريد، وكان ابنها في سنوات لاحقة يحملها إلى مكتب البريد لأنها كانت تصر على استلام ما يرسله عبد الناصر بنفسها.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق