كلمتي

الاسلام السياسي… ماذا تبقى منه

أحمد المصري

أحمد المصري

المشكلة في العقل السياسي الغربي أنه أسير للعقل الاجتماعي فيه، وهذا يعني أن ما يفكر به المجتمع غالبا هو ما ينتهي كقرار سياسي للدول الغربية.
العقل الاجتماعي الغربي ليس واحدا، وهو متعدد الرؤى والأفكار وتتنازعه قيم حقوقية مستندة على حقوق الإنسان والفرد، وهذا جاء كمحصلة نهائية لقرون طويلة من النزاعات والحروب والعنف والقمع والدموية.
تلك ميزة جيدة، يتمتع بها المجتمع بما يتم تسميته بالتعددية ضمن مساواة تحكمها الديمقراطية، لكن تلك الميزة أيضا تجعل القرار السياسي أحيانا مترددا في حسمه وحكمه على ما هو واضح من أخطار، وأول تلك الأخطار التي يواجهها الغرب هو الإرهاب المتطرف للتيارات الإسلاموية ومنها تيار ا”لإخوان المسلمين”.

في بريطانيا خلص تقرير أعدته الحكومة البريطانية حول نشاطات حركة الإخوان المسلمين في 17 كانون أول/ ديسمبر2015، إلى أن عضوية الحركة أو الارتباط بها يجب أن يعد مؤشرًا ممكنًا للتطرف والإرهاب، لكنها تحفظت على اعتبار الجماعة إرهابية!!

وفي الولايات المتحدة تم تقديم مشروع قرار إلى الكونغرس الأمريكي بتصنيف الجماعة على لائحة الإرهاب في 24 شباط/ فبراير 2016، وقد خلص المشروع إلى ذات الاستنتاجات التي تضمنها التقرير البريطاني.
أنت أمام عقل سياسي تتنازعه قيم مجتمعية مرتبطة بقيم حقوقية مثالية لكن تلك القيم هي نفسها التي يستغلها الإرهاب للتسلل إلى داخل تلك المنظومات وهدفه المعلن وبوضوح تدميرها باعتبارها طواغيت ودول كافرة!!
واعتقد ان المقاطع المصورة لعائلات تنظيم “داعش” الذين لا يبدون اي ندم على انضمامهم لتلك الفئة المتعفنة التي شوهت روح الدين الاسلامي بما فيه الكفاية هي واخواتها من “القاعدة” و”النصرة” و”الاخوان”.

في حيلة محكوم عليها بالفشل “وقد فشلت فعلا” حاول الغرب في فترة من الفترات احتواء جماعات الاسلام السياسي وادخالها في المنظومة الدولية بل وشجع اصحابها واعتبرهم البديل للسلطوية السائدة في العالم العربي وكان عهد الرئيس باراك اوباما هو العهد الذهبي لتلك الجماعات لكن تلك المحاولات الغربية باءت بالفشل، والفشل حتمي وطبيعي لأن هذه الجماعات لا تؤمن بالتعددية والتداول السلمي للسلطة وهي بطبيعتها وتكوينها في حالة صراع دائم مع الديقراطية والعلمانية وتتخذ لنفسها تفسيرات مغايرة للديمقراطية، وتتعايش معها فقط للتغلغل في داخلها بما يشبه طبيعة الطفيليات التي تتغلغل داخل الجسم لنهشه وافتراسه.

في مصر مثلا، وهو النموذج الأكثر تجليا على فشل سياسة اوباما الاحتوائية لاحتواء ما لا يمكن احتواؤه، كان الاخوان المسلمون لديهم الفرصة عندما استلموا مقاليد الحكم في مصر ليثبتوا انهم قابلين للتغيير، ولكن كل المعطيات التي قدموها هم بأنفسهم انذاك أكدت بما لا يدع مجالا للشك، انهم جماعة سلطوية لا تختلف كثيرا عن الانظمة العربية وان الهم الاول والأخير لهم كجماعة كان التمكين، وان الجماعة نفسها فوق الدولة، و لا زال بعض اعضاء الاخوان يعتقد انهم سيعودن للحكم .
من هنا، فإنه وعلى الرغم ان الغرب يحاول ان يمسك العصى من المنتصف بعدم تصنيف جماعة الاخوان كحركة ارهابية الا ان هذه السياسات ربما تكون وبالا على تلك الدول التي لا تعترف الجماعة حتى بنظامها الديمقراطي وعندما يقيمون في الغرب الكافر يصنعون لانفسهم محاكمهم الشرعية ويقومون ايضا باستغلال الديمقراطية لنشر أفكارهم المتطرفة.

وهذا يجعلني أتساءل كمواطن بريطاني مرتبط وجدانيا بعالمه العربي: متى سيعي الغرب ان محاولات الاخوان وغيرهم من جماعات الاسلام السياسي ادخال الدين في السياسة لن تفلح ولن تكون هي الحل المنشود في العالم العربي فدولة المواطنة والديمقراطية لا تتماشيان مع فكر الجماعة، بل هي قيم وأفكار إنسانية تتناقض بالمطلق مع فكر سيد قطب المؤسس الحقيقي للجماعة، وكتبه التي تعتبر مرشد التيار بل ومرشد “داعش” و”القاعدة” ايضا حتى اليوم؟
إن وجود الإخوان المسلمين وشرعنة حضورهم كتيارات فاعلة في الغرب، يشبه إدخال حصان طروادة الشهير إلى داخل تلك الديمقراطيات، حصان فولاذي هذه المرة، يخبيء في داخله كل الشر الذي يمكن تخيله وما هي إلا لحظة غفلة ليفتح الحصان جوفه ويخرج الشر منه.
[email protected]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق