السلايدر الرئيسيتحقيقات

السودان… “المرتزقة الروس” والإطاحة بالبشير

علي الخطايبة

يورابيا ـ موسكو ـ من علي الخطايبة ـ بدأت الاحتجاجات في السودان قبل نحو أربعة أشهر ضد رفع الحكومة لأسعار الخبز، لكن سرعان ما توسعت المظاهرات وانتقلت من الخرطوم إلى مختلف أنحاء البلاد، وارتفع سقف المطالب من الأمور المعيشية إلى المطالبة باسقاط نظام عمر البشير الذي جثم على صدور السودانيين 30 عاما، ما دفع قيادة الجيش إلى عزله وتشكيل مجلس عسكري يحكم البلاد لمدة عامين تنتهي بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية.

وكانت صحيفة التايمز البريطانية قد تطرقت في يناير الماضي إلى تدخل مرتزقة ناطقين باللغة الروسية في دعم نظام البشير وادعت أن المرتزقة الروس ينتمون إلى شركة أمن خاصة تدعى “مجموعة ذا فانغر” يعملون في السودان ويوفرون خدمات لوجستية وتدريبا عمليا للمخابرات السودانية والقوات الأمنية، وسط تنامي حدة الاحتجاجات المطالبة باسقاط حكم البشير.

وفي السياق، يرى معهد كارنيغي بواشنطن أن موسكو تحاول التدخل في أي نزاع دائر أو محتمل ليس لأن لديها القدرة على المساعدة في حل تلك الصراعات ولكن لأنها بحاجة إلى التأثير وأن يكون لها رأي في الملفات الدولية الساخنة.

يبدو أن تولد مخاوف لدى قيادة الجيش من تكرار السيناريو السوري في السودان كان السبب الحاسم في الإسراع بالإطاحة بالبشير تحسبا لتدخل عسكري روسي محتمل بطلب من الأخير على غرار ما فعل بشار الأسد بعد أن فقد السيطرة على معظم مساحة سوريا بالرغم من دعم إيران وميليشياتها الطائفية.

وقطع تحرك الجيش الطريق على نظام البشير وجنب البلاد والعباد القتل والدمار الذي كان سيحصل في السودان كما في سوريا وربما أكثر لو استمر النظام في التخطيط لقمع المظاهرات بكافة الوسائل وإراقة الدماء الشهر تلو الآخر، مما سيفضي بالبلاد لا قدر الله إلى حرب أهلية يصعب التكهن بمآلاتها.

وأبدت المعارضة قلقها من تدريب الروس للقوى الأمنية التي كانت تقمع المظاهرات بقسوة واعتبرت أن البشير استند للدعم الروسي عندما قرر إغلاق المدارس وتشديد الرقابة وفرض حظر التجول في جميع أنحاء البلاد، لكن نظام البشير الذي كان بأمس الحاجة لوضع حد للاحتجاجات اتهم المعارضة بتضخيم شأن التدخل الروسي.

وأسفرت المواجهات المفتوحة بين المحتجين وقوى الأمن في السودان عن مقتل عشرات المحتجين والزج بالمئات في السجون، وبحسب تقارير منظمة هيومن رايتس ووتش فإن السجناء تعرضوا للضرب والتعذيب الممنهج من أجل ثني المحتجين عن الاستمرار في التظاهر.

وبدأ التعاون الروسي السوداني قبل عام ونصف بعد الزيارة الأولى التي قام بها البشير إلى موسكو منذ توليه الحكم عام 1989، وقال خلالها للرئيس بوتين “السودان يمكن أن يصبح مفتاح أفريقيا بالنسبة لروسيا” وطلب حينها الحماية من التدخلات الأمريكية.

وفتح اجتماع بوتين- البشير الطريق أمام حزمة من المبادرات الروسية في السودان، من الاستشارات السياسية إلى التعاون العسكري، وفي العام الماضي بدأ علماء الجيولوجيا الروس في التنقيب عن الذهب على ضفاف نهر النيل.

أما القوات المسلحة الروسية فكانت تعمل بالفعل على وضع خطط لاستخدام الموانئ والقواعد الجوية العسكرية السودانية تمهيدا لإنشاء قاعدة عسكرية روسية في السودان.

من الواضح أن عبارة البشير “السودان مفتاح أفريقيا بالنسبة لروسيا” ثقيلة على مسامع الإدراة الأمريكية التي تسعى بكل ثقلها وخلفها الاتحاد الأوروبي لكبح جماح روسيا وتحجيمها فهي تفرض عقوبات على موسكو وحلفائها، حتى أن الكونغرس الأمريكي صادق في 2017 على قانون تفرض بموجبة عقوبات على أي دولة تشتري أسلحة معينة من روسيا.

لكن الكرملين كان يجوب العالم على مدى السنوات الماضية بحثا عن البلدان التي يمكنه فيها توسيع نفوذه، وبدأت موسكو بإستعادة التحالفات القديمة وإقامة أخرى جديدة وملء الفراغ في الدول التي تركها الغرب وراءه بعد انتهاء الحرب الباردة.

وشرعت موسكو ببناء صداقات مع البلدان التي ترى فيها فرصا لتوسيع نفوذها، على عكس ما كان سائد في حقبة الحرب الباردة عندما كان العالم منقسما إلى معسكرين وكان التنافس يحمل طابعا أيدولوجيا بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، فالمواجهة الآن أصبحت تتبع قواعد جديدة في عالم تغير كثيرا ويبدو مختلفا تماما عما كان عليه قبل انهيار الاتحاد السوفيتي أواخر 1991.

وفي العودة إلى الأزمة السودانية فالوضع أصبح أكثر هدوءا لكنه هدوء حذر فلا يزال آلاف المتظاهرين مستمرين في الاعتصام أمام قيادة الجيش في الخرطوم يطالبون المجلس العسكري بعدة مطالب على رأسها تسليم السلطة إلى حكومة مدنية وتقديم الرئيس المخلوع للمحاكمة، والإفراج عن جميع المعتقلين، وإعادة هيكلة جهاز المخابرات الذي تولى مهمة قمع المتظاهرين وقتل العشرات منهم.

على إثرها وعد رئيس المجلس العسكري عبدالفتاح البرهان بـ “اجتثاث” نظام البشير، وأعلن الإفراج عن كافة المتظاهرين المعتقلين وإلغاء حظر التجول في ساعات الليل الذي فرضه سلفه عوض بن عوف الذي استقال من رئاسة المجلس بعد يوم واحد من إعلانه، كما أقال صلاح قوش مدير المخابرات.

لقد أثبت الشعب السوداني مرة أخرى لجميع القوى الإقليمية والدولية التي ترى في المنطقة العربية مجرد مناطق نفوذ وسوق استهلاكي لمنتجاتها وأسلحتها أن الشعوب العربية ماضية في تحقيق إرادتها في الإنعتاق من أنظمتها الفاسدة التي تتحالف مع الشرق والغرب ضد مصالح شعوبها لمجرد ضمان بقاءها في السلطة، وأنها عازمة على تشكيل حكومات مدنية تؤمن بالتداول السلمي للسلطة وتحقق إرادة شعوبها في إنجاز انتقال ديمقراطي يكون الضامن للإستقرار والازدهار الاقتصادي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق