أقلام يورابيا

برغر وحمّص وبيتزا… طلاق ونزاع وحروب

علاء عمر

علاء عمر

انتشر خبر في الانترنت يحمل عنوان “البرغر يشعل معركة في مجلس الشيوخ الأمريكي” بعيداً عن فحوى الخبر الذي يُقرأ من عنوانه، فإنه أعاد إلى الأذهان خبراً آخراً بعنوان “إماراتية تطلب الطلاق بسبب شطيرة برغر”، ما يضع هذا الطبق واسع الانتشار على موائد العرب والعجم على قائمة الأخبار المتداولة في الآونة الأخيرة.
وبالعودة إلى الخبر المتعلق بطلب الطلاق نقرأ.. طلبت مواطنة إماراتية من زوجها الذهاب إلى مطعم للوجبات السريعة وإحضار شطيرة برغر لها، عند انتهائه من سهرته مع أصدقائه. ولكن الزوج، بعد قضاء بعض الوقت مع أصدقائه، نسي أن يُعرج لإحضار الشطيرة التي طلبتها زوجته قبل أن يغادر المنزل، وعاد في الثالثة صباحاً خالي الوفاض.. ما أثار غضب زوجه ودفعها إلى مغادرة عش الزوجية وطلب الطلاق.
وتعليقاً على الأمر نقرأ أيضاً ما صرّح به محامي أحد الطرفين بقوله إن “غالبية الأزواج يعانون من عدم إدراك المعنى الحقيقي للزواج”، بعد قراءة هذه الجملة، استبشرت خيراً واستنتجت أن الطرف الذي يمثّله المحامي هو السيدة في مواجهة رجلها، الذي يبدو أنه لا يدرك فعلاً المعنى الحقيقي للزواج. إلا أن الجزء الثاني من الجملة أصابني بخيبة أمل، لقول المحامي، محامي الدفاع عن حقوق الزوج كما تبيّن الآن: “… وهذا يؤدي إلى ارتفاع معدلات الطلاق بين الأزواج لأسباب تافهة”.
إذاً.. يرى المحامي أن سبب طلب الطلاق “تافه”، ملقياً بمسؤولية هذا القرار على المرأة. فجأة أصبحت المرأة تتحمل عبء مؤسسة الزواج، وتتحمل كذلك مسؤولية الطلاق الذي لا يتم إلا بناء على كلمة من فم الرجل.. في مجتمعنا الإسلامي الذي يُنظر فيه إلى المرأة على أنها “ناقصة عقل ودين”.
قد يكون السبب تافه فعلاً، إلا أنه يحمل في طيّاته أكثر من مجرد برغر بكل ما يحتويه من توابل وبهارات، توصف بها المشاكسات اللطيفة بين الزوجين، إذ أنها تعطي نكهة للعلاقة التي تجمعهما بكل ما فيها من منغصّات لا بد منها، تنتهي بحلاوة الإحساس بعودة المياه إلى مجاريها.. والصلح خير.
شخصياً أرى أن الأخت الإماراتية محقّة تماماً هنا، علماً أنني أتمنى أن ينتهي الأمر باتفاق مرضِ للطرفين، سواء أكان بالاستمرار في العلاقة الزوجية أم عدمه.. شريطة أن يُدرك الزوج أن الزواج مسؤولية فعلاً وأن نسيانه شراء البرغر يعد تجاهلاً لطلب زوجته، يحق لها بناء عليه أن تخلص إلى الاستنتاجات التي تراها صائبة.
ولكن.. إذا كان البرغر سبب تافه لطلب الطلاق، فبأي كلمات يمكن وصف الطلاق الذي وقع بين أنور وجدي وليلى مراد بسبب الكمّون؟ فبعد أن بحث وجدي عن الكمّون في المطبخ ولم يجده، افتعل مشكلة انتهت بأن رمى اليمين، أول طلاق، على زوجته. من الواضح أن الرجل، شأنه شأن المرأة، يتسلّح أيضاً بـ “السبب التافه” لينفصل عن زوجته.. وهو ما رأيناه في مشهد معبّر بأداء العملاق يحيى الفخراني (لطفي الجنايني)، أمام الفنانة ماجدة زكي (الست أم محمود) في مسلسل “عباس الأبيض”، حينما كان يبحث عن أي سبب، “كده وكده يعني”، ليطلقها علناً أمام الحارة، فلامها بحدّة لأن “الأكل ناقص ملح والرز مش مستوي”.
وللأكل أهمية تتخطى أهميته المتفق عليها، وذلك وفق ما نراه في الموروث الشعبي لدى العديد من الشعوب. فلا تستغرب إذا سألك أحدهم في الصين، على سبيل المثال، “هل أكلت؟” أو “هل أنت جائع؟”.. وكن على ثقة أن السؤال لا يعكس بالضرورة رغبة السائل بأن يدعوك لتشاركه السُّفرة، لأن هذا السؤال يعني في عُرفه كيف حالك. قد يبدو هذا السؤال غريبا للوهلة الأولى، إلا أن الاعتياد على هذه الصيغة للسؤال عن الحال يصبح مألوفاً.. على غرار سؤال “شلونك” حسب ثقافة الإخوة في دول الخليج العربية وسوريا والعراق.
يكون الأكل وكل ما يتعلق به، في الكثير من الحالات، أكثر من وسيلة للتعبير عن المشاعر بين بني البشر، وقد يتجاوز الأمر هذه العلاقات لتبلغ العلاقات بين الدول، إذ لا يخفى على أحد أن الأطباق الشعبية باتت مصدر فخر واعتزاز بالهوية، وعامل خلاف بين شعوب تنسب لنفسها هذا الطبق أو ذاك، وهو ما يتجلى في أكثر من واقعة.. منها الخلاف على هوية طبق الحمّص بين العرب واليهود.
ليس الحمّص وحده الطبق الشعبي الذي يثير هذه الضجة. فقد سبق وأن وقع تلاسن بين وفدين فلسطيني وإسرائيلي في مطعم إيراني في العاصمة اليابانية طوكيو في عام 2007، بناء على دعوة وجهها السفير الفلسطيني لدى اليابان آنذاك، حين تحدثت سيدة من أعضاء الوفد الإسرائيلي، وهي من أصل عراقي، قالت إن الفلافل طبق شعبي إسرائيلي، لينتفض الصحفي الفلسطيني سامي أبو سالم دفاعاً عن عروبة الفلافل.
لا يقتصر الحماس للذود عن الطبق الشعبي على العرب. فقد أفادت وسائل إعلام في 2005 بانتصار قضائي حققته اليونان، بعد إصدار خبير غذائي حكمه بأن جبنة “فيتا” يونانية، وذلك على خلفية استخدام هذا المُسمّى في عدد من دول الاتحاد الأوروبي، ألمانيا والدانمارك، بإطلاق وصف “فيتا” على مجموعة من الأجبان. ومؤخراً دخلت الـ “كوكاكولا” المعترك السياسي، وذلك بعد أن قدّمت الشركة المُنتجة لهذا المشروب الغازي اعتذارها لموسكو، لنشرها خريطة روسيا دون شبه جزيرة القرم.
وقد يكون للطبق رسالة تحمل مغزى دينياً ـ قومياً. وربما أفضل مثال على ذلك هو طبق المنسف الأردني، إذ نقرأ نقلاً عن الباحث الأردني حامد النوايسة ما يلي..”كانت رواية قديمة تقول إن أكلة المنسف جاءت لتخالف العقيدة اليهودية بشكل صريح وواضح حيث ورد في الاصحاح 17 تحريما قاطعا لطهي اللحم في اللبن، وطلب الملك العربي الأردني ميشع من شعبه حسب الرواية القديمة طهي اللحم باللبن في يوم معين ليتأكد له أن شعبه العارف بالتعاليم اليهودية معاديا لليهود ومخالفا لعقيدته”.
ثمة مقولة شائعة تُنسب إلى الكوريين، في الجنوب الكوري بطبيعة الحال، مفادها: “إذا أكلنا البيتزا لن نظل نفكر بالعقلية الكورية”. قد تدفع هذه المقولة أحدنا للتأمل في الأمر، والنظر في ما إذا كان لتناول الأطباق غير الشعبية تأثير حقاً، يجعل الحدود تتماهى بين الشعوب وتقرّبها لبعضها البعض أكثر، وإن كان على حساب الانتماء للهوية الأصل.. ولكن هذا موضوع بحث آخر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق