أقلام يورابيا

دموع

سمر نادر

سمر نادر

في إحدى المحال التجارية ، سمعته يُناديها “دموع” ، أثار اسمها في عروقي موجة طيبٍ سحرية او كأن شلال من الماسٍ تكسّر برهافة في داخلي.
لفتني بشدة الاسم بغرابته وندرته وجمال معناه و الذي لفتني أكثر وأكثر النغمة التي ارتطمت بقلبي بعدما انسابت برقةٍ مذهلة مثل جدولٍ من عبير من فم الشاب المنادي… “دموع”
تركت ما كان بين يدي وما كنت قد اخترته وأهمّ بشرائه وتوجهت نحو الفتاة الناعمة خلف طاولة الشراء و أمواج من الدهشة والتساؤل تسبقني اليها، همست في عينيها مباشرة و كأني اعرفها منذ عرفت دمعتي الاولى: -اسمك دموع !؟؟
من المؤكد أن تصرفي الغير المتوقع أخجلها ، فتلبّكت و احتارت وضاعت شفتيها بين الاجابة و الابتسام.
جرفني شعور طاغٍ لأزيد منسوب حشريتي (و هذا ليس من عادتي) في محاولةٍ لمعرفة مَن أسماها “دموع”، والدتها ! والدها؟ احدى افراد العائلة؟ مَن يا ترى؟
دُهشت الفتاة أكثر وأكثر وخاصة انها لا تملك جواباً شافياً لفضولي. وما همّني أنا من اعطاها اسمها ؟ وما الفرق في ذلك؟
هل يشبه الاسم صاحبته و الى أي حدّ؟

“دمووووع” أي دموع هذه و أي عذوبةٍ تنثال بين مسامي وتعلن اجتياحها التام لحواسي!!
غريب الاثر الذي تركه اسمها بي وحتى اللحظة هذه وانا أعيد لفظه تنقّط حلاوة حروفه عطراً وحنيناً.

اسماؤنا الوحيدة غير الديانة التي لم نعطَ حرية اختيارها ومع ذلك تروق لنا ونعشقها وتصبح لصق القلب، ترافقنا في رحلة ايامنا منذ تفتّح برعم الحياة فينا والى آخر إغماضة ،وحتى بعد الممات تبقى الدليل الوحيد المحفور على شواهد قبورنا .
في دراسة عن الاسماء ، اكدّ الباحثون ان الاسم يترك اثره الكبير على صاحبه كما انه يلعب دورا” مهما في العلاقات مع الاخرين وله اثرا” ايجابيا” في التقدم والنجاح و تحديد المصير .
الاسماء وعالمها العجيب وتحليلاتها الاكثر عجبا” ، أحقا” للأسماء هذه السلطة الخفيّة؟!
في مجتمعاتنا جرت العادة أن يحمل البكر من الاولاد اسم جده او جدته ، كما انه لا تخلو عائلة من تسمية ولد على اسم قديس او نبي.
قديما” كانت تكثر الوفيات بين الاولاد فكان الاهل يطلقون على اولادهم بعضهم اسماء الوحوش ( ديب ، سبع، نمر….) وقد رسخ في تفكيرهم ان بهذه التسمية يجابه الولد الضعف والمرض ويبقى على قيد الحياة.

قلة اولئك اللذين لا تعجبهم اسماءهم ويحاول بجهدٍ تغييرها او تسمية انفسهم بأسماء اخرى يحبونها أكثر وتلائم نفسيتهم اكثر.
تغيير الاسماء شائع ولكنه متداول بكثرة في الوسط الفني ، فأغلب الفنانون يبدلون اسماءهم الاصلية و يتكنّون باسم فيه من الغرابة والجاذبية ما يُثير انتباه المشاهد.
ويبقى السؤال الاهم لكل ما يحيط بنا اسم …فمن الذي ابتدع الاسماء؟
من حمل اول اسمٍ في التاريخ يا ترى؟؟
ومن اين اتت فكرة الاسم ؟ الاسماء البشرية تعني سرا” ما او تعبّر عن قيمة خاصة او انها مجرد لقب !!!
في غوص سريع في عالم الانترنت وبحثٍ كافٍ لتهدئة ما يضج في رأسي من افكار ، اكتشفت إن اول الاسماء المدونة في التاريخ يعود للحضارة السومرية على الواح الطين حوالي 3200 قبل الميلاد ، كما ان بعض الاثار الفخارية في الصين تحمل رسوما” رموزا” وكأنها اسماء تحدد ملكية تلك الانية، كذلك تحمل نقوش المقابر في الحضارة المصرية اسماء للملوك اذا الاسم يشارك صاحبه أنفاسه منذ بدء العصور.

من اقوالنا العامية :
“اسم على مسمى”
“اسمه على كسمه”
“الاسم بيحليّه صاحبه”
الى ايّ حدّ تشبهنا اسماؤنا يا ترى؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق