أقلام يورابيا

هل يتهم الرئيس التركي السابق غول أردوغان بالشعبويّة؟

جلال طلال سلمي

جلال طلال سلمي

“الشعبوّية تستهدف الأسس النوعية للديمقراطية، وتُفسدها. الشعبوّية تستهدف حرية الصحافة، والشفافية الحكومية، واستقلال القضاء وحياديته. وفي البلاد التي تقع لهيمنة الشعبوّية، تنهار هذه المعايير وتندثر”. قد ينتاب القارئ الاستغراب، فهو غير مُعتاد على تغريد الرئيس التركي السابق، عبد الله غول، في سرب المحاضرات السياسية الداعية إلى احترام الديمقراطية ونزع الشعبوّية.
في قمةٍ هدفها اقتصادي، أدلى الرئيس الحادي عشر لتركيا وأحد مؤسسي حزب العدالة والتنمية بتصريحاته التي قيل أنها أصابت “بطحة” الحكومة التركية ورأسها، ليتساءل كثيرون هل بات الرئيس التركي السابق غول يتهم رفيق دربه أردوغان بالشعبوّية؟

مفهوم الشعبوّية
لكن لوضع النقاط على الحروف بصورتها الصحيحة أثناء الإجابة على تساؤل المقال، لا بد من تسليط الضوء الساطع على معنى مفهوم الشعبوية الذي لا زال يعاني من الانحسار في زاوية معتمة منعدمة الوضوح والرؤية. بإيجاز يُشار إلى مفهوم الشعبوية على أنه مخاطبة المزاج والعاطفة لدى المُخاطب بمعزلٍ عن المنطق والعقلانية.
ويميل “القادة الشعبويون” إلى أسلوب تجييش العواطف عبر نكأ الخلافات التاريخية التي تُعزز روح انتماء المواطن لفكرة القائد، وتُنمي فخره بنفسه، كون القائد يظهر بمظهر المُحارب من أجل الماضي الأصيل، وعبر تحريك روح الانتماء الديني، وغرس خطابات تصوّر القائد على أنه حامي حمى الديار، والرقم الأول في حماية الأمن القومي والغذائي والاجتماعي، وأن همه الوحيد هو درء الفوضى العارمة التي يسعى الأنداد الداخليون والخارجيون لنشرها داخل المجتمع، وعبر الركون إلى “الآخرية المُقيتة، نحن وهم” التي تنعت جميع من ينافسه سياسياً “بالخائن” أو “العميل للخارج”.
وتندرج هذه الأساليب ضمن مُصطلح “الحرب النفسية السياسية، الديموغاجية” الذي يميل لمخاطبة مخاوف الناس القومية والشعبية، والتملق لعواطفهم وطموحاتهم الاقتصادية والاجتماعية بمعزلٍ عن المُنطلق البرهاني العقلاني، وتقديس الشخص وإظهار هيبته الشخصية “الكاريزما” بعيداً عن المؤسسية والضوابط العقلانية والقانونية، وضمن تعزيز روح الاستقطاب المُجتمعي.
وهنا تكمّن أهمية الخوض في مقصد الرئيس غول.
فالحديث عن “الشعبوّية” في قمة “أوراسيا 22” الاقتصادية وليست “السياسية”، يثير التساؤل حتى لدى الفاتر في متابعة الشأن التركي.

الرئيس غول يعبر عن شعوره بالإزاحة
الحق يُقال، الرئيس السابق غول لم يتفوه باسم الرئيس أردوغان أو تركيا إطلاقاً خلال حديثه. لكنه ركّز أغلب حديثه حول الشعبوّية، وألمح إلى أنها أضحت تفتح باباً أمام رسوخ “الحكم السلطوي” الذي أصبحت تتضح معالمه مع مرور كل يوم.
وأمام هذا التلميح هل يقصد غول دول ما وراء الأنهاء والبحار، أم تركيا، وتحديداً حزب العدالة والتنمية الذي بدأ نشاطه بصورةٍ مؤسسية قانونية ترعى مبدأ “العقل المُشترك”، إلى أن أصبح حزب الكاريزما القائم على كاريزما الرئيس أردوغان، ولا أحد سوى الرئيس أردوغان. وهنا يُعبر الرئيس غل، في الغالب، عن شعوره الحزين باستبعاده عن المركز القيادي لحزب العدالة والتنمية.
وربما يؤكّد الرئيس غول على أن حديثه يتمحوّر حول تركيا قوله: “إذا اتبع من في السلطة الشعبوّية، فإن النتائج ستكون خطيرة، لأنه إذا تحولت الخطابات الشعبوّية إلى تطبيقات سياسية، فإن نتائجها على المجتمع والدولة ستكون وخيمة”.
ويقول الرئيس غول: “إذا اتبع من في السلطة”، وليس إذا اتبعت سلطة، بل يُخصص حديثه لأناسٍ مقصودين. ولا يُعقل أن يُخاطب الرئيس غول بحديثه ذاك الرئيس الروسي بوتين مثلاً.
ويزيد الرئيس غول من تأكيده على توجيه خطاب للداخل بالقول: “لا يمكن أن تكون الشعبوّية دائمة. إن الشعبوّيين يعطون الشعب سمكة، ولكنهم لا يعلمونه كيف يصطاد سمكه. ولكن عندما ينتهي السمك، ستندلع الأزمات الحالكة”.
ويستاءل مواطن تركي سمع لخطاب الرئيس غول: “ألا يقصد الرئيس غول الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي اندلعت وأثبتت أن الاقتصاد التركي “اقتصاد عارٍ”، حيث فقد سعر صرف الليرة التركية خلال أيامٍ قليلةٍ 40% من قيمتها”.
وفي إطار تساؤل هذا المواطن التركي غير المنتمي لأي هوية سياسية، وإنما يسعى فقط لإعالة أسرته حتى نهاية الشهر، يُشار إلى أن تركيا لا زالت، بالرغم من مستويات التنمية الجيدة التي تم تحقيقها، تُصنف على أنها دولة تقع ضمن مصاف “دول فخ الراتب المتوسط” الذي يُعاني مواطنوها من مستوى ثابت من الرواتب التي لا ترتفع قيمتها بل تنخفض، نتيجة الارتفاع الدائم للتضخم، وانعدام التطوير النوعي للقدرات الإنتاجية لهؤلاء المواطنين.
كما أن الاقتصاد التركي يوصف بـ “الاقتصاد العاري” كونه يعتمد في مساره الاستدانة الدائمة، أي أن القطاعين الحكومي والخاص يموّلان مشاريعهما من خلال الاستدانة التي يسعون لسدادها من خلال الاستدانة أيضاً، ما يؤدي لجعل “التمويل بالعجز” عادة طبيعية للحفاظ على ديمومة المسار الاقتصادي الذي كُشفت عورته إبان الأزمة مع واشنطن، حيث أوقفت بعض المؤسسات إدانتها للمؤسسات التركية الحكومية والخاصة، بعد ما بلغ مجموع دين الاقتصاد التركي ما يزيد عن 400 مليار دولار.
وبسحب المُستثمرين النقديين أموالهم من البورصة والبنوك التركية، تضاعفت النتائج الوخيمة للاقتصاد التركي.
وعلى الأرجح، يُشير الرئيس غول، إن كان يقصد فعلاً تركيا وحكومتها، إلى أن تركيا لا زالت بحاجة للعقلانية والحكم المؤسسي المُتخصص، بعيداً عن الشعبوّية وما يتمخض عنها من محسوبية ومحاباة ووساطة تؤدي في نهاية المطاف إلى عجز وفشل.
ويزيد الرئيس غول خطابه قافيةً أخرى تنتقد مستوى حرية الصحافة، حيث يقول: “الشعبوّية تستهدف الصحافة الحرة، والقضاء المُستقل، والشفافية والمساءلة في القطاع الحكومي”. فهل يقصد غول بأن تركيا باتت، بذريعة حماية الأمن القومي ومحاربة جماعة غولن، في مستوياتٍ مُنخفضةٍ من حرية الصحافة واستقلال القضاء!؟ يُذكر أن تركيا احتلت المرتبة 157 من حيث حرية الصحافة لعام 2018.
يبدو أن الرئيس غول لم يكتفِ بهذا الحد من الانتقاد للشعبوّية، لكن مع اقتراب انتهاء الوقت المُخصص لحديثه على هامش القمة، ختم قوله على النحو التالي: “الشعبوّية تُهمل الأسس الدبلوماسية المُعتادة، وتدفع بمُطبقها لتقديم لغة الخطاب الحماسية البلاغية على حساب العقلانية، ليصبح الشعبوّي معتاداً على هذه اللغة التي تؤدي بالسياسة الخارجية إلى طرقٍ مسدودة.” هل يقصد الرئيس غل بذلك اتهام ألمانيا “بالنازية”، وتقديم الدعاية السياسية لاستفتاء 16 نيسان/أبريل على صيغة “التصويت لصالح حماية لمصالح الدولة، والوقوف ضدها حياد عن المصلحة القومية للدولة”.
وفي سياق ذلك، يقول الصحفي التركي، أورهان أوغور أوغلو، في مقاله “هل استهدف غل أردوغان؟”: “إن تعيين نائب سابق عن حزب العدالة والتنمية سفيراً، بدلاً من تعيين دبلوماسي مُختص، أدى إلى أن بوتين هو من ذكر أردوغان بإمكان استخدام اتفاق أضنا لتثبيت نفوذ تركيا المباشر أو غير المباشر في الشمال السوري”.
يُلامس تأييد أوغور أوغلو لفكرة غل القائمة على أن المحاباة التي تم الجنوح إليها لترسيخ حكم الكاريزما على حساب العقلانية، أدت إلى نضوب القدرات الدبلوماسية لتركيا في تحركها الخارجي. ويبدو أن الأمر بحاجة لتفحص أكثر عمقاً.

تأسيس حزب جديد
تتزامن انتقادات غول للحكومة التركية برئاسة أردوغان مع الحديث عن سعيه لتأسيس حزبٍ جديد بالتعاون مع عددٍ من مؤسسي حزب العدالة والتنمية.
ولا داعي للتعمق في سرد البراهين التي تؤكّد نية الرئيس غل في منافسة أردوغان. فتصريحه قبل إجراء الانتخابات الرئاسية بأيام :”لو اتفقت المعارضة على ترشيحي للرئاسة، لخوضت الاستحقاق”، لا يدع مجالاً للشك في ذلك. وكان الرئيس غل ألمح، في تصريحه لصحيفة خبر ترك، في كانون الأول/ديسمبر 2018، إلى أن “ادعاء محاولته تأسيس حزبٍ جديد لا يجافي الحقيقة”.
وكان الادعاء يتمحوّر حول سعي غل لتأسيس الحزب بالتعاون مع 55 نائباً سابقاً من حزب العدالة والتنمية. لكن إلى الآن لم يُلامس أي مؤشرٍ فعليٍ لهذا الادعاء.
في الختام، لا يُخفي الرئيس غول نيته لخوض المعترك السياسي كمنافس لحزب العدالة والتنمية. لذا يبدو أن يحاول انتقاد السياسة الخارجية التركية، لا سيّما تجاه سوريا، لصُنع رصيد شعبي لذاته.

* صحفي وباحث مُتخصص في شؤون العلاقات الدولية والعلوم السياسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق