أقلام مختارة

وسائل التواصل الاجتماعي في مناهج التعليم

عثمان ميرغني

عثمان ميرغني
كم مرة خلال اليوم تمتد يدك لا شعورياً إلى هاتفك الجوال لتفقّد وقراءة وتبادل الرسائل على أيٍّ من منصات وسائل التواصل الاجتماعي؟ وإذا كان لديك أطفال، كم من المرات شعرت بأنهم يجلسون أمامك، لكنهم غارقون في عالم آخر بعيداً عنك؟ عالم لا تعرف تفاصيل ما يدور فيه، لكنه يشد انتباههم وتركيزهم ويصرفهم عنك؟
هذه هي حياتنا المعاصرة مع غزو وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الجوالة، وانعكاسها على سلوكياتنا. هناك الكثير من الإيجابيات لهذه الثورة في وسائل الاتصال والتواصل، لكن هناك أيضاً الكثير من المخاطر سواء على صعيد صحتنا الجسدية وعلاقاتنا الإنسانية، أو حتى على صعيد صحتنا النفسية وسلامة عقولنا، وبشكل خاص على الشباب والأطفال.
إدراكاً لهذه المخاطر المتزايدة وتأثيرها على النشء أعلنت بريطانيا هذا الأسبوع أنها ستُدخل تعديلات في مناهج التعليم لكي يتلقى الأطفال من سن الرابعة دروساً عن السلامة في الإنترنت وعن الحذر المطلوب في وسائل التواصل الاجتماعي، مع توعيتهم بالمخاطر على الصحة النفسية والعقلية نتيجة الكآبة أو المضايقات والترهيب والتحرش مما قد يحدث في وسائل التواصل الاجتماعي.
هذه التغييرات في المناهج لن تكون مقتصرة على الأطفال بل ستشمل كذلك المراهقين، وستدرَّس لكل المراحل حتى نهاية التعليم المدرسي قبل الانتقال إلى المرحلة الجامعية. والسبب الكامن وراء هذه التغييرات هو القلق الذي يساور الخبراء والمختصين بسبب الضغوط على الأجيال الجديدة الناجمة عن التداخل الشديد بين حياتهم على أرض الواقع وفي العالم الافتراضي على الإنترنت. والأخطر من ذلك ما أكدته دراسات متعاقبة صدرت في عدة دول من أن هناك ارتباطاً بين استخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد نسب الانتحار ومشاعر الإحباط والكآبة بين الشباب خصوصاً المراهقين.
في دراسة أُجريت في أميركا ونُشرت نتائجها في دورية علم النفس المختبري، تبين أن 36% من المراهقين يشعرون بالكآبة أو الإحباط والعزلة، ما دفعهم إلى التفكير في الانتحار أحياناً، وكانت النسبة أعلى بين البنات مقارنةً بالأولاد. وفي بريطانيا أشارت دراسات مستقاة من سجلات سلطات الرعاية الصحية إلى ارتفاع بنسبة 68% خلال العقد الأخير في عدد المراهقات اللائي يحاولن إيذاء أنفسهن بتناول كمية كبيرة من الحبوب أو قطع شرايين أو بأساليب أخرى. نسبة الارتفاع في هذه الحوادث بين الذكور الشباب سجلت 37% خلال الفترة ذاتها.
دراسة أخرى موّلتها الحكومة البريطانية أشارت إلى أن 24% من البنات و9% من الأولاد في سن 14 عاماً يعانون ضغوطاً نفسية ويشكون من الإحباط والكآبة والوحدة وفقدان الثقة بالنفس، وهو ما يرى كثير من المختصين أنه يرتبط بوسائل التواصل الاجتماعي وقضاء وقت طويل أمام الشاشات سواء على الإنترنت أو الهواتف الجوالة. فالشباب اليوم يربطون السعادة والإحباط بعدد أرقام الإعجاب (لايك)، وإعادة نشر تغريداتهم ورسائلهم، والتجاوب مع ما يوزعونه وينشرونه في المجموعات (الغروبات) التي يشتركون فيها عبر منصات مثل «فيسبوك» و«إنستغرام» و«سناب شات» و«واتساب» و«تويتر» وغيرها. هناك أيضاً المشكلات الناجمة عن المقارنات غير المنطقية للمظهر والملبس وشكل الأجسام والأوزان لا سيما بين البنات، والضغوط الناجمة عن مقارنات مع صور عارضات وممثلات في السعي نحو «وهم» الجمال الكامل. أضف إلى ذلك ما يحدث أحياناً في وسائل التواصل الاجتماعي من مضايقات وترهيب وتحرش مما يتسبب في تراكم الضغوط والمشكلات النفسية.
وزير التعليم البريطاني داميان هاينز، قال إن التغييرات الجديدة في مناهج التعليم التي ستطبَّق العام المقبل جاءت إدراكاً لهذه الضغوط المتزايدة على الأجيال الجديدة بسبب الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو والهواتف الجوالة. وأشار إلى أن النشأة والتكيف مع متغيرات الحياة لم تكن أموراً هينة أصلاً، ومع تزايد الاعتماد على الإنترنت واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي برزت ضغوط إضافية لم تكن معروفة قبل عقدين من الزمن.
الدروس الجديدة تهدف إلى تشجيع الأطفال الصغار والمراهقين على الابتعاد عن الشاشات وسماعات الأذن لفترات خلال اليوم للخروج وقضاء بعض الوقت مع أقرانهم وممارسة هوايات ونشاطات. كل ذلك لتنمية حس التواصل والتخاطب مع الآخرين لجيل يكاد يفقد هذه القدرات بسبب قضاء ساعات طويلة على انفراد في تخاطب صامت عبر الرسائل في وسائل التواصل الاجتماعي أو مع ألعاب الفيديو.
كذلك تهدف المناهج الجديدة إلى توعية الأطفال والشباب بأهمية الحصول على ساعات نوم كافية، والأكل الصحي مما يساعدهم في التلقي والتعليم وفي حياتهم بشكل عام. فبسبب وسائل التواصل الاجتماعي وألعاب الفيديو والأشياء الأخرى المتاحة عبر الإنترنت من مقاطع غنائية إلى أفلام وخلافه، فإن الكثير من الأطفال والشباب ينامون ساعات أقل ويستيقظون مرهقين وفي مزاج سيئ فيقل تحصيلهم وتتأثر حياتهم الأكاديمية وصحتهم.
تعليم كل هذه الأشياء سيبدأ من سن مبكرة في بريطانيا لكي يعرف الأطفال كيفية الاهتمام بأنفسهم ومواجهة تحديات الفضاء الإنترنتي والأمن والسلامة. فالفضاء الإنترنتي عالم معقد يجمع الصالح والطالح، والنافع والضار، ويصادف فيه المرء الكثير من الغرباء، وكماً هائلاً من المعلومات والفيديوهات التي تؤثر بدرجات متفاوتة على الطرف المتلقي، وبشكل كبير جداً على الأطفال والمراهقين الذين ما زالت أفكارهم وشخصياتهم تتشكل. فما يشاهده قطاع كبير من هؤلاء يؤثر على سلوكياتهم، وعلى أكلهم وشربهم، وماذا يلبسون وكيف يتحدثون.
في هذا العالم المتشعب يوجد كذلك مَن يتربص بالأطفال والشباب لأغراض غير سوية، تتراوح من التحرش إلى الاحتيال والتجنيد لمنظمات إجرامية أو حركات إرهابية. ويوجد أيضاً كم هائل من المعلومات والصور والفيديوهات التي فيها الكثير المفيد، مثلما فيها مواد إباحية وأخرى تحض على الكراهية أو تروّج لاستخدام الأسلحة والمخدرات.
الأطفال والشباب يقضون ساعات طويلة يومياً أمام شاشات الهواتف الجوالة وأجهزة الكومبيوتر وداخل عالمهم الخاص في منصات التواصل الاجتماعي أو مع ألعاب الفيديو، وهو عالم يؤثر بشكل متزايد على حياتهم وسلوكهم وبالتأكيد على مستقبلهم وعلى أسرهم. ومع الخطوات التي تقْدم عليها الحكومات لمواجهة الآثار السالبة، هناك ضغوط على الشركات الكبرى في عالم التواصل الاجتماعي لتحمل مسؤولياتها والمساهمة في حماية الأطفال والشباب من المخاطر المتزايدة، لكن المشوار لتحقيق الأمان المطلوب لا يزال طويلاً.
الشرق الأوسط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق