السلايدر الرئيسيتحقيقات

وضع القدس و”فلسطين الجديدة” كما يراه ترامب

علي الخطايبة

يورابيا ـ موسكو ـ من علي الخطايبة ـ بعد انتهاء أعمال “ورشة البحرين”- الشق الاقتصادي للخطة الأمريكية الجديدة لحل القضية الفلسطينية التي عقدت في المنامة في 25-26 يونيو المنصرم، والتي تعرف إعلاميا بـ “صفقة القرن”، بدأت تسريبات بالتدفق إلى وسائل الإعلام حول الشق السياسي غير المُعلن للخطة.

وكان جاريد كوشنير صهر ومستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومبعوثه إلى الشرق الأوسط قد فاجئ قادة العالم وساسته المخضرمين عندما صرح من المنامة، بأن “حل القضية الفلسطينية سهل”، وذلك بالتركيز على التنمية وضخ 50 مليار دولار يتقاسمهم الفلسطينيون والأردن ومصر ولبنان على مدار 10 أعوام.

كما بسّط كوشنير الذي جاء من واشنطن برفقة وزير الخزانة (المالية) الأمريكي ستيفن منوشن، والمديرة العامة لصندوق النقد الدولي كريستين لاغارد، الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يستمر منذ أكثر من 7 عقود واعتبره “مشكلة قابلة للحل” من خلال الالتفات إلى التنمية المستدامة في الضفة الغربية وقطاع عزة.

لكنه أكد في الوقت ذاته عدم إمكانية الوصول إلى حل نهائي للقضية الفلسطينية دون الشق السياسي الذي سيُعلن عن بنوده البيت الأبيض في وقت لاحق، وسيفضي، بحسب كوشنير، إلى إبرام اتفاقية سياسية عادلة بين الفلسطينيين وإسرائيل.

وتشير وسائل إعلام عالمية إلى أن 70 بالمئة من الاستثمارات التي ستُوجه إلى قطاعات الصحة والتعليم والبنى التحتية ضمن الخطة الأمريكية ستُمول من قِبل دول الخليج العربية، و20 بالمئة من الولايات المتحدة، والـ 10 بالمئة المتبقية ستغطيها بلدان الاتحاد الأوروبي من أجل الحد من البطالة المتفاقمة في الأراضي الفلسطينية المحتلة وخلق أكثر من مليون فرصة عمل.

ووفقا للخطة الأمريكية، فإن الأموال المذكورة ستُستثمر في تطوير قطاعات النقل والزراعة والسياحة والصحة، ودعم ريادة الأعمال والتعليم، كما تشمل الخطة افتتاح جامعة على الأراضي الفلسطينية، يُخطط لها أن تصبح من أفضل 150 جامعة في العالم.

في الوقت نفسه، نشرت وسائل إعلام روسية بُعيد انتهاء “ورشة البحرين” أن بعض هذه الاستثمارات سوف تُستغل في أراض من سيناء مجاورة لقطاع غزة سيتم استئجارها من مصر وتبقى تحت السيادة المصرية، بغية بناء مطار عليها بالإضافة إلى إنشاء مؤسسات صناعية يقوم الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشراء انتاجها، يعمل بها أبناء قطاع غزة ويُمنع استقرارهم فيها ويشترط أن يعودوا بعد انتهاء ساعات العمل للمبيت في القطاع.

وفيما يتعلق بربط الضفة الغربية بقطاع غزة، فتحتوي الخطة الأمريكية على بناء طريق سريع بين شطري الأراضي الفلسطينية عبر إسرائيل بارتفاع 30 مترا مغلق من الجانبين ولا يتفرع منه طرق إلى إسرائيل تشرف على أمنه السلطات الإسرائيلية، دون التطرق إلى ضمانات بعدم السماح لإسرائيل بالتحكم في حركة الممر، والهدف منه فقط ربط الضفة بالقطاع.

أما الشق السياسي كما هو معروف فلا يزال غير معلن ولا يطرحه البيت الأبيض إلا في دوائر ضيقة سواء في الولايات المتحدة أو في إسرائيل، وهناك تسريبات مجزوءة من واشنطن وتل أبيب تصل إلى وسائل الإعلام المحلية، لكن هذه المعلومات تأتي بدون ذكر أسماء المصادر، وغالبا ما تكون متناقضة.

وبحسب هذه التسريبات التي سلطت وسائل الإعلام الروسية أيضا الضوء عليها، فمن المزمع توقيع اتفاق ثلاثي بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس، سيفضي إلى إقامة دولة تسمى “فلسطين الجديدة” على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، باستثناء المستوطنات اليهودية الموجودة في الضفة الغربية.

المستوطنات ستبقى تابعة لإسرائيل مع بعض التعديلات بحيث يتم أخلاء المستوطنات الموجودة في وسط الضفة الغربية المحاطة بالتجمعات السكانية الفلسطينية، مقابل اقتطاع أراض من الضفة الغربية من المناطق الملاصقة لإسرائيل من أجل بناء مستوطنات بديلة.

وحول عاصمة “فلسطين الجديدة” فهناك أيضا معلومات متضاربة، فقد أشارت بعض التسريبات إلى أن القدس الشرقية ستكون العاصمة ولكن دون المسجد الأقصى وبقية المقدسات الإسلامية والمسيحية، فيما أوردت مصادر أخرى أن الحديث لا يدور عن القدس الشرقية التي كانت تحت السيادة الأردنية حتى حرب حزيران 1967 وإنما إقامة العاصمة الفلسطينية على جبل أبو ديس المُطل على القدس الشرقية.

أما مصادر ثالثة فقد أفادت بأن القدس غير قابلة للتقسيم وستصبح عاصمة موحدة لإسرائيل و “فلسطين الجديدة”، وستُستحدث لها بلدية تدير شؤونها على أن تستلم ضرائبها إسرائيل، في الوقت ذاته سيُمنع العرب من شراء منازل في الأحياء اليهودية من المدينة، وكذلك الأمر ينطبق على اليهود في الأحياء العربية.

كما يُحظر على “فلسطين الجديدة” أن يكون لها جيش وطني خاص بها، وسيُحافظ على النظام داخل البلاد من قبل قوات أمن فلسطينية مسلحة بأسلحة خفيفة، أما الجيش الإسرائيلي فسيتولى الحماية من التهديدات المحتملة من خارج إسرائيل ولهذا الغرض سيتعين على السلطات المحلية الفلسطينية توقيع اتفاقية دفاع مع إسرائيل.

وتتبع إدارة ترامب في طرحها لخطتها المثل الانجليزي القائل “بإمكانك أن تقبل الشيء أو ترفضه” (you can take it or leave it) فهي لا تنوي عرض بنود الشق السياسي على الفلسطينيين للنقاش، فمن وجهة نظر ترامب الخطة غير قابلة للتفاوض، فإما أن تقبل القيادة الفلسطينية كل ما تطرحه واشنطن بالكامل وإما أن ترفضه، أما الجانب الإسرائيلي فهي تناقش معه جميع فقرات الشق السياسي كلمة بكلمة قبل الإعلان عنها رسميا.

ومن المثير للسخرية والضحك في آن واحد فيما تسربه تل أبيب وواشنطن أن الأخيرة سوف تتوقف عن تقديم المساعدات الاقتصادية لإسرائيل في حال رفضها لمقترحات الحل السياسي – المتُفق عليه – للقضية الفلسطينية، وكذلك ستتوقف عن تقديم مساعداتها الموجهة للفلسطينيين إذا ما رفضت القيادة الفلسطينية “الصفقة”، وستبذل الولايات المتحدة جهدها لكي تحذو الدول الأخرى حذوها مع الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.

دولة “فلسطين الجديدة” التي يعرضها ترامب لا ترقى إلى مستوى الحكم الذاتي داخل دولة اتحادية غير ديموقراطية، على الأقل يتمتع مواطنو الحكم الذاتي بحق المواطنة والمساواة ولا يُقتطع من أراضيها مستوطنات.

والأخطر في الأمر أن الاتفاقية الثلاثية التي تتحدث عنها “صفقة القرن” بين منظمة التحرير الفلسطينية وحركة حماس وإسرائيل في حال توقيعها ستلغي كل قرارات مجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية التي اعترفت بحق العودة للاجئين الفلسطينيين وتعويضهم، واعترفت بدولة فلسطين كعضو مراقب في الأمم المتحدة، وسيلغي مرة وللأبد مبدأ حل الدولتين.

لقد أثبتت إدارة ترامب مرة أخرى للعالم لا سيما بعد اعترافها بالقدس بشقيها الشرقي والغربي عاصمة لإسرائيل والتوقيع على اعتراف بأن الجولان السوري المحتل منذ 1967 هو أراض إسرائيلية، أنها لا ترغب بتقديم حل عادل ولو نسبيا للقضية الفلسطينية وإنما تحاول إدارة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي لصالح إسرائيل الحليف الإستراتيجي للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وفتح أسواق المنطقة العربية أمام الصادرات الإسرائيلية.

والمُستهجن أن سيد البيت الأبيض الحالي لم ييأس من نتائج “ورشة البحرين” ويواصل مغامرته ويدفع بأجندته بالرغم من رفضها القاطع من قبل الفلسطينيين أصحاب القضية الذين قاطعوا اجتماعات المنامة، ويتمسكون بمبدأ حل الدولتين، ويبدو أنه لا يدرك أن ضخ الأموال لن يجد نفعا في حل الصراع الدائر منذ عقود بين الفلسطينيين وإسرائيل، وأن أبعاد القضية الفلسطينية السياسية والدينية بالنسبة للشعب الفلسطيني والشعوب العربية  سواء المسلمين منهم والمسيحيين أهم بكثير من الأبعاد الاقتصادية، وأن مصير خطته الفشل بغض النظر عن تسميتها سواء ” صفقة القرن” أو كما يحلو لزوج ابنته اليهودي كوشنير وصفها بـ “. فرصة القرن”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق