السلايدر الرئيسيتحقيقات

“يورابيا” تفتح ملف أزمة الثقة في العلاقات السوريّة – اللبنانيّة: المسيرة العونيّة… إشراقاتٌ متواصِلةٌ في فضاءات لبنان القويّ (4 – 5)

جمال دملج

يورابيا – بيروت – من جمال دملج – لا يمكن للحديث عن أزمة الثقة في العلاقات السوريّة – اللبنانيّة أن يستوفي حقّه كاملًا من دون الرجوع إلى يوم الثامن عشر من شهر أيلول (سبتمبر) عام 1988، بغية استحضار الدلالات الوطنيّة المشرِّفة لموقف الرفض الذي اتّخذه العماد ميشال عون حيال فحوى ما تمَّ الاتّفاق عليه وقتذاك بين المبعوث الأميركيّ ريتشارد مورفي والرئيس السوريّ حافظ الأسد بخصوص اعتبار النائب اللبنانيّ مخايل الضاهر مترشِّحًا وحيدًا في معركةِ انتخاباتٍ رئاسيّةٍ وهميّةٍ تُجرى من أجل “تنصيبه” رئيسًا للجمهوريّة خلفًا للرئيس أمين الجميّل، وهو الموقف الذي عبَّر عنه العماد عون داخل منزله في منطقة الرابية أمام عشرات الشخصيّات السياسيّة والنيابيّة والعسكريّة، ردًّا على “نصيحة” عددٍ منهم بأنّ الرفض يُعتبَر عملًا انتحاريًّا لأنّ التصدّي للرغبة المشترَكة لكلٍّ من “العملاق الأميركيّ الدوليّ والعملاق الإقليميّ السوريّ” لن يكون بالأمر الهيِّن، وستترتّب عليه محاذيرَ خطيرةً، وخصوصًا عندما خاطَب أصحاب ذلك الرأي بالقول: “لن يستطيعوا أن يفعلوا بنا أكثر ممّا فعلوه على مدى اثنتيْ عشرة سنة… كلّ عمرنا ونحن نقول نعم للأميركيّين، فماذا كانت النتيجة؟ لبنان مهدَّم، الجنوب طاير، الشعب منقسم، الدولة منهارة، الاقتصاد صفر، الأرض والناس مش معروف مصيرهم… خلّينا هالمرّة نجرِّب اللا، فإذا ظبطت كان خيرًا، وإذا ما مشي الحال، منكون أنقذنا ماء وجهنا قدّام أولادنا والأجيال الطالعة”.

وعلى رغم أنّ قرار العماد عون بشأن رفض “تنصيب” الضاهر لم يكن وليد الصدفة في ذلك التاريخ، ولا سيّما أنّه جاء بعد الكثير من التصريحات والتلميحات غير المباشرة، فإنّ العديد من المراقبين اعتبروا أنّ مجرَّد الإعلان عنه على هذا النحو من الشفافيّة والصراحة أحدَث مفاجأةً مزدوجةً في الأوساط المحلّيّة والإقليميّة والدوليّة، إحداهما تمثَّلت في خروج قائد الجيش للمرّة الأولى عن الأعراف والقوانين التي ينصُّ عليها الدستور اللبنانيّ وتمنع قادة الجيش من الخوض في غمار السياسة، بينما تمثَّلت الأخرى، ولعلّها الأهمّ، في أنّ الكثيرين كانوا يعتبرون أنّ العماد عون هو “رجل الأميركيّين” في لبنان، على حدِّ زعمهم، فإذا باتّفاق “مورفي – الأسد” يجعله الضحيّة في المعادلة الشرق أوسطيّة الجديدة.

وإذا كانت الأمانة الوطنيّة والأخلاقيّة تستوجب التنويه هنا بأنّ اللبنانيّين بغالبيّتهم الساحقة عبَّروا عن تضامنهم الكامل مع العماد عون، ولدرجةٍ كادت تبشِّر باقتراب موعد انبثاق فجر لبنان الجديد، ولا سيّما بعدما تسلَّم مهامّ قيادة البلد من خلال حكومةٍ عسكريّةٍ تشكَّلَت في قصر بعبدا فور انتهاء ولاية الرئيس أمين الجميّل عام 1988، فإنّ الأمانة نفسها تستوجب التنويه في الموازاة بأنّ ما حال دون انبثاق هذا الفجر، يتمثَّل في أنّ إدارة الرئيس حافظ الأسد سارعَت إلى تجييش كلّ ما تملكه أيمانها على الساحة اللبنانيّة ضدّ المسيرة العونيّة الواعدة، ثمَّ افتتحَت مقرًّا رئاسيًّا مستحدَثًا في فندق الـ “بوريفاج” في بيروت بعدما قامت بالإشراف على إجراء دورتيْن انتخابيّتيْن رئاسيّتيْن خارج مقرّ مجلس النوّاب في ساحة النجمة، فاز في الأولى الرئيس رينيه معوّض الذي سقط شهيدًا في وقتٍ لاحقٍ بعمليّةٍ تفجيريّةٍ استهدفَت موكبه، بينما فاز في الثانية الرئيس الياس الهراوي، وذلك بالتزامُن مع استجابة الأفرقاء اللبنانيّين الذين يقفون على خطّ معارَضة حكومة العماد عون العسكريّة لدعوة المملكة العربيّة السعوديّة بخصوص التوقيع على “اتّفاق الطائف” عام 1989، وكذلك مع محاولةٍ فاشلةٍ جرى التخطيط لها من أجل اغتيال “الجنرال المتمرِّد” عن طريق قصف مروحيّته بصاروخٍ لدى هبوطها في مطار لارنكا القبرصيّ، قبل أن تتكرَّر المحاولة مجدَّدًا، وبشكلٍ فاشلٍ أيضًا، عندما قامت الطائرات الحربيّة السوريّة بقصف مقرّ القصر الجمهوريّ اللبنانيّ في بعبدا، ومن ثمَّ باقتحامه، وذلك بموجبِ ضوءٍ أخضرَ أعطته الولايات المتّحدة للرئيس حافظ الأسد عن طريق إطلاق يد سوريا في لبنان، من دون أيِّ كوابحَ أو عقباتٍ، مقابل تجاوبه مع الحاجة الأميركيّة إلى إدخال دمشق تحت مظلّة التحالف الدوليّ الذي سيأخذ على عاتقه مسؤوليّة تحرير الكويت من الاحتلال العراقيّ في إطار عمليّة “عاصفة الصحراء”.

ومع الأخذ في الاعتبار أنّ هذه الصفقة الأميركيّة – السوريّة تمَّت في الأصل على حساب مشروع بناء لبنان الجديد، ولا سيّما بعدما أدّت إلى تغييب العماد عون عن البلد لمدّة خمسة عشر عامًا من الزمان، فضلًا عن أنّها أسَّست لمرحلة الوصاية الثانية التي ازداد خلالها نهَم المسؤولين الأمنيّين السوريّين فوق المائدة الوطنيّة اللبنانيّة، ولكنّ ذلك لم يحُل في المحصِّلة النهائيّة دون استمرار عنفوان الحالة العونيّة في الداخل على رغم كافّة أشكال الظروف القمعيّة القاسية التي واجهها العونيّون على طول الخارطة اللبنانيّة وعرضها، وهو العنفوان الذي ما لبث أن تجلّى بأبهى صوره لدى عودة الجنرال من منفاه الباريسيّ بعد سنوات الغياب الطويلة، متسلِّحًا بحبّ الناس له، وكذلك ببراغماتيّته المعهودة التي دائمًا ما أثبتَت جدارته في مجال قراءة واقع الحال اللبنانيّ على حقيقته، سياسيًّا واستراتيجيًّا وجغرافيًّا وديموغرافيًّا وطائفيًّا، باعتبار أنّ الوطن حقٌّ لكلّ أبنائه على اختلاف طوائفهم وانتماءاتهم السياسيّة والعقيديّة.

على هذا الأساس، يُصبح في الإمكان إدراك الأسباب التي أدَّت إلى الإعلان عن “ورقة التفاهُم” بين العماد ميشال عون والأمين العامّ لـ “حزب الله” السيّد حسن نصر الله أثناء لقائهما الشهير في كنيسة مار مخايل في الشيّاح يوم السادس من شهر شباط (فبراير) عام 2006، تمامًا مثلما يُصبح في الإمكان أيضًا إدراك القيمة المضافة التي اكتسبها لبنان في أعقاب إتمام زيارة المصالحة التي قام بها العماد عون لدمشق بعد ثمانية عشر عامًا من القطيعة ولقائه مع الرئيس السوريّ بشّار الأسد يوم الثالث من شهر كانون الأوّل (ديسمبر) عام 2008، ولا سيّما أنّ القيمة المضافة هنا تتمثَّل في أنّ الزيارة تمَّت بينما كانت سوريا تستعدُّ لافتتاح سفارتها في لبنان، للمرّة الأولى منذ استقلال البلدين في أربعينيّات القرن العشرين، فضلًا عن أنّها جسَّدت قيم التسامُح والتعالي على الأحقاد والضغائن التي تتمايَز بها الثقافة اللبنانيّة الأصيلة، تمامًا مثلما هو الحال عليه في ورقة التفاهُم التي جسَّدت الالتزام بمبدأ أنّ لبنان لكلّ اللبنانيّين، والتي لم تحُل دون التوصُّل لاحقًا إلى تفاهُماتٍ أخرى ما بين “التيّار الوطنيّ الحرّ” وما بين أفرقاء لبنانيّين آخرين يقفون على الطرف الآخَر غير المتناسِق مع سياسات “حزب الله” مثل “حزب القوّات اللبنانيّة” الذي يتزعّمه الدكتور سمير جعجع و”تيّار المستقبل” الذي يتزعّمه الرئيس سعد الحريري… وحسبي أنّ البيت في القصيد هنا يتمثَّل في أنّ إشراقات المسيرة العونيّة، سواءٌ خلال حقبة الحكومة العسكريّة في الثمانينيّات أم خلال العهد الحاليّ الذي بدأ قبل عامين ونيّف من الزمان، لطالما شكَّلت حصانةً موثوقةً وأعطَت قيمةً مضافةً لقصر بعبدا، ولا سيّما أنّ الرجل الذي دأب على القول إنّ التاريخ يتغيَّر بينما تبقى الجغرافيا ثابتةً هو الجدير حقًّا بكلّ الاحترام… وما على اللبنانيّين إلّا اليقين.

يتبع غدًا: الرئيس القويّ… وقنبلة النازحين الموقوتة (5 – 5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق