السلايدر الرئيسيتحقيقات

“يورابيا” تفتح ملف أزمة الثقة في العلاقات السوريّة ـ اللبنانيّة: قوّات الردع… بين شهادة أوري لوبراني ووديعة اسحاق رابين (3 ـ 5)

جمال دملج

يورابيا ـ بيروت ـ من جمال دملج ـ على رغم كافّة علامات الاستفهام التي ارتسمَت حول القرار الصادر عن جامعة الدول العربيّة في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1976 بخصوص إشراك الجنود السوريّين في تشكيلة “قوّات السلام العربيّة” المكلَّفة ببسط الأمن وترسيخ الاستقرار في لبنان بعد “حرب السنتين” الدامية، والمؤلَّفة من وحداتٍ سعوديّةٍ ويمنيّةٍ وليبيّةٍ وسودانيّةٍ، إضافةً إلى أولئك الجنود الذين كانوا قد اجتاحوا الأراضي اللبنانيّة ودخلوا كطرفٍ مباشِرٍ في الحرب قبل ذلك التاريخ بعدّةِ أشهرٍ، فإنّ علامة الاستفهام الكبرى سرعان ما ارتسمَت مع إطلالة عام 1977 إثر انسحاب جميع هذه الوحدات العربيّة بشكلٍ مفاجىءٍ ومن دون أيِّ تفسيرٍ منطقيٍّ، تاركةً مهمّة بسط الأمن وترسيخ الاستقرار على الساحة اللبنانيّة للقوّات السوريّة وحدها التي صارت تُعرَف وقتذاك بـ “قوّات الردع العربيّة”.

وإذا كانت الملامح الأوّليّة لبدء مرحلة وصاية سوريا على لبنان قد تجلَّت بين عاميْ 1977 و1982 من خلال تنفيذ سلسلةٍ من الاغتيالات التي قُدِّر لها أن تُزهِق أرواح العديد من الشخصيّات والرموز السياسيّة والإعلاميّة والفكريّة، بدءًا من رئيس “الحركة الوطنيّة اللبنانيّة” وزعيم “الحزب التقدُّميّ الاشتراكيّ” الراحل كمال جنبلاط الذي سقط شهيدًا بالرصاص يوم السادس عشر من شهر آذار (مارس) عام 1977 قرب مدينة بعقلين الشوفيّة، مرورًا برئيس تحرير مجلّة “الحوادث” الأسبوعيّة سليم اللوزي الذي اختُطِف وعُذِّب يوم الخامس والعشرين من شهر شباط (فبراير) عام 1980 لدى عودته من لندن قبل أن يتمّ العثور على جثّته مستشهِدًا يوم الرابع من شهر آذار (مارس) في أحراج عرمون، وكذلك بنقيب الصحافيّين ريّاض طه الذي سقط شهيدًا بالرصاص يوم الثالث والعشرين من شهر تمّوز (يوليو) عام 1980 أيضًا في بيروت، ووصولًا إلى الرئيس المنتخَب الشيخ بشير الجميّل الذي سقط شهيدًا بعمليّةٍ تفجيريّةٍ في منطقة الأشرفيّة يوم الرابع عشر من شهر أيلول (سبتمبر) عام 1982، فإنّ الفترة الممتدّة بين عاميْ 1982 و1990، وإنْ كانت قد شهدَت على اضطرار القوّات السوريّة للانسحاب من العاصمة بيروت صوب المناطق الشرقيّة والشماليّة اللبنانيّة جرّاء الاجتياح الإسرائيليّ الثاني في إطار ما سُمّي بـ “عمليّة سلامة الجليل”، ومن ثمّ انتخاب الشيخ أمين الجميّل رئيسًا للجمهوريّة خلفًا لشقيقه الشهيد بشير، ودخول “القوّات متعدِّدة الجنسيّات” إلى البلد، وتوقيع ما سُمّي بـ “اتّفاق 17 أيّار” بين لبنان وإسرائيل قبل أن يُصار إلى إلغائه بسبب عدم مصادقة الرئيس اللبنانيّ عليه، ولكنّها شهدَت في الموازاة على استمرار تجلّيات نزعة الوصاية بأشكالٍ دمويّةٍ أزهقَت أرواح المزيد من الناس على طول الخارطة اللبنانيّة وعرضها، إلى أن تمَّ التوقيع على “اتّفاق الطائف” عام 1989 برعاية المملكة العربيّة السعوديّة لإنهاء الحرب في لبنان، وهو الاتّفاق الذي مهَّد الطريق أمام السوريّين لتكريس المرحلة الثانية من وصايتهم على البلد، ولا سيّما بعدما حصلوا في العام التالي على ضوءٍ أخضرَ من الولايات المتّحدة الأميركيّة يخوِّلهم بالتحرُّك عسكريًّا في اتّجاه قصر بعبدا لإنهاء “المسيرة العونيّة” هناك مقابل تعهُّدهم بالدخول في “التحالف الدوليّ” الذي سيأخذ على عاتقه لاحقًا مهمّة تحرير الكويت من القوّات العراقيّة الغازية، وذلك في إطار صفقةٍ مشبوهةٍ أدَّت في المحصِّلة النهائيّة إلى ما سوف نتناوله بالتفصيل غدًا الخميس في الجزء الرابع من هذه السلسلة من المقالات بخصوص تغييب العماد ميشال عون عن الساحة اللبنانيّة لمدّة خمسة عشر عامًا من الزمان.

وعلى رغم أنّ أحدًا لم يعُد يتوقَّع منذ بداية تلك المرحلة من الوصاية إمكانيّة انسحاب القوّات السوريّة من لبنان في أيِّ يومٍ من الأيّام، فإنّ انبثاق فجر “ثورة الأرز” السلميّة في أعقاب وقوع جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبنانيّ الشهيد رفيق الحريري يوم الرابع عشر من شهر شباط (فبراير) عام 2005 سرعان ما أدّى إلى قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب، ولا سيّما أنّ أسابيعَ قليلةً لم تكد تمرُّ حتّى انسحب السوريّون بالفعل من مختلف الأرجاء اللبنانيّة، الأمر الذي كان منسِّق الأنشطة الإسرائيليّة في لبنان أوري لوبراني قد تنبّأ به قبل حدوثه بقرابةَ العشرةِ أعوامٍ عندما صرَّح أثناء وجوده في زيارةٍ خاطفةٍ للعاصمة البريطانيّة لندن بما حرفيّته: “نحن نعرف أنّه من المنطقيّ جدًّا قيام علاقاتٍ خاصّةً بين لبنان وسوريا، نظرًا لعواملَ عدّةٍ، من بينها الموقعُ الجغرافيُّ للبلدين وصِلاتُ القرابةِ التي تجمَع بين عائلاتٍ عديدةٍ من الشعبين. ولكنّ المشكلة الكبرى في العلاقات الحاليّة بين سوريا ولبنان تكمُن في الافتقار إلى الحدّ الأدنى من مبادىء الاحترام المتبادَل. إنّها علاقةٌ تقوم على مبدأ الأنانيّةِ وحبِّ التملُّك. والسوريّون يعرفون أنّ اللبنانيّين أدركوا أين تكمُن المشكلة، ويعرفون أيضًا أنّهم غيرُ محبوبين في لبنان. وسوف تنسحِب القوّات السوريّة في النهاية من الأراضي اللبنانيّة، ليس في أعقابِ عمليّةٍ عسكريّةٍ أو ثورةٍ مسلَّحةٍ، وإنّما عندما يستيقظ الحدّ الأدنى من الإحساس بالخجل لديهم، وعندئذٍ سنقرأ جميعًا على وجوههم تلك الملامح التي ترتسِم عادةً على وجوه السُكارى في أُولى مراحل عودة الصحو إليهم، فيتساءلون بتعجُّبٍ: ما هو حجم الحماقات التي ارتكبناها البارحة يا ترى”؟

ومع الأخذ في الاعتبار أنّ إسرائيل التي أُجبرت على الانسحاب نهائيًّا من جنوب لبنان عام 2000، أيْ قبل تنفيذ الانسحاب السوريّ بقرابةَ الخمسةِ أعوامٍ من الزمان، فإنّ أكثر ما بقي موضِعَ استغرابٍ ومثارَ جدلٍ منذ سبعينيّات القرن العشرين ولغاية يومنا الراهن، يتمثَّل في أنّ الجنوب اللبنانيّ ظلّ على مدى السنوات الطويلة الماضية مسرحًا للتناتُش من دون تماسٍ في الأجندتين الإسرائيليّة والسوريّة على حدٍّ سواء، بما يخدم مصالحَ كلِّ طرفٍ على حساب الطرف الآخر في لعبة التوازن الاستراتيجيّ، وذلك بالطبع قبل انبثاق فجر معادلة الردع الاستراتيجيّ التي أرسى “حزب الله” ركائزها في أعقاب النتائج الميدانيّة التي أسفرت عنها “حرب تمّوز” عام 2006، علمًا أنّ سنوات النصف الأوّل من تسعينيّات القرن العشرين كانت حافلةً بمعطياتٍ بدت كافيةً في حينه لوضعِ حدٍّ نهائيٍّ لذلك التناتُش، ولا سيّما بعدما أفضَت المفاوضات السوريّة – الإسرائيليّة في إطار مرجعيّة مؤتمر مدريد للسلام إلى وضع اللمسات الأخيرة على ما سُمّي بـ “وديعة رابين” التي تنصُّ على استعداد الإسرائيليّين للانسحاب من مرتفعات الجولان المحتلّة إلى حدود الرابع من حزيران (يونيو) عام 1967 مقابل التزام الجانب السوريّ بتوفيرِ ضماناتٍ أمنيّةٍ للدولة العبريّة والبدء بخطوات التطبيع معها، وهي الوديعة التي بات في حُكم المؤكَّد أنّها أصبحت مادّةً أرشيفيّةً لا أحد يعلم ما إذا كان سيُصار إلى نفض الغبار عنها في أيِّ يومٍ من الأيّام في المستقبل أم إنّها ستبقى مرميّةً إلى الأبد على رفوف التاريخ.

وإذا كان سيل التأويلات حول الأسباب الحقيقيّة التي أدَّت إلى هذا التعثُّر على المسار السوريّ – الإسرائيليّ له أوّلٌ وليس له آخِر، فإنّ أكثر ما يُفترَض أن يبدو واضحًا في الحالة اللبنانيّة الراهنة، بصرف النظر عمّا إذا كان النجاح سيُكتَب للمحاولات الرامية إلى إعادة إحياء المجلس الأعلى اللبنانيّ – السوريّ أم لا، يتمثَّل في وجوب التمسُّك بما جاء ذاتَ يومٍ من أيّام عام 1978 على لسان عميد الديبلوماسيّة اللبنانيّة السفير الراحل غسّان تويني عندما قال في كلمته الشهيرة أمام هيئة الأمم المتّحدة في نيويورك ما مؤدّاه “إنّ أكثر ما يحتاج إليه لبنان في الوقت الحاليّ هو قرارٌ عربيٌّ مشترَكٌ، إمّا بالدخول في حربٍ مع إسرائيل أو بالإبقاء على الهدنة معها، فإذا قرّروا الحرب، فإنّ لبنان ضالعٌ بطبيعة الحال فيها، أمّا إذا قرّروا الإبقاء على الهدنة، فحرامٌ أن يدفع لبنان وحده عندئذٍ الضريبة عن كلّ العرب”… وحسبي أنّ كلام الراحل غسّان تويني واضحٌ جدًّا في كلّ الأزمنة والأمكنة ولا يحتاج إلى تعليق.

يتبع غدًا: المسيرة العونيّة… إشراقاتٌ متواصِلةٌ في فضاءات لبنان القويّ (4 ـ 5)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق